عقد في العاصمة البلجيكية بروكسل منذ أيام، اجتماع في إطار مجلس «روسيا ـ الناتو»، على مستوى رؤساء هيئات الأركان العامة للقوات المسلحة.وبهذا الشكل استأنفت روسيا وحلف شمال الأطلسي التعاون العسكري، الذي توقف بعد نزاع القوقاز في أغسطس 2008.
وأصبحت زيارة رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية الجنرال ماكاروف إلى مقر حلف الناتو، أول زيارة لمسؤول عسكري روسي إلى بروكسل منذ مايو 2008.وقد أقر الاجتماع في بروكسل خطة التعاون العملي بين العسكريين الروس والأطلسيين في عام 2010، وخاصة ما يتعلق بالدعم الروسي لعملية حفظ السلام في أفغانستان.
ويذكر أن هناك العديد من المسائل التي يختلف فيها حلف الناتو وروسيا، بالإضافة إلى تقييميهما المتباينين لأحداث أغسطس 2008، عندما شنت جورجيا هجوما على أوسيتيا الجنوبية.فقد اعترفت روسيا باستقلال أوسيتيا الجنوبية (وكذلك أبخازيا) في السادس والعشرين من شهر أغسطس 2008.
بعد أن ردت القوات الجورجية التي شنت هجوما على هذه الجمهورية في الثامن من نفس الشهر.ويرى الحلف أن روسيا أفرطت في استخدام القوة ضد جورجيا، في حين تؤكد موسكو أنها اضطرت لإرغام تبليسي على السلام، لضمان سلامة قوة حفظ السلام في أوسيتيا الجنوبية وسكان هذه الجمهورية الذين يحمل أغلبهم الجنسية الروسية.
لقد أثبتت الحرب في القوقاز في أغسطس 2008، أن الناتو برغم أنه لا يرغب في الإقرار بسيطرة روسيا على الساحة السوفييتية سابقا، فإنه لا يتجاسر على مقاومة طموحاتها في هذه المنطقة.وما يبقى ماثلا في الأذهان، هو أن الناطقين بلسان الناتو ما فتئوا بعد أغسطس 2008.
يتحدثون حول رغبة الحلف في مصالحة روسيا، كما تراجعت تماما خطط انضمام جورجيا وأوكرانيا للحلف.ولا غرابة في ذلك، فالناتو هوّل من قوته حينما أوقف التعاون مع روسيا، وهوّن من طموحات موسكو وأهمية مصالحها الجيوسياسية، وقدراتها على حماية هذه المصالح.
وبات واضحا أنه لا يمكن للناتو أن يتخذ موقفا عدائيا موحدا تجاه روسيا، لا سيما أن علاقات متميزة تربط روسيا ببعض أعضاء الحلف؛ ألمانيا وإيطاليا وفرنسا واليونان وتركيا وسلوفاكيا.والأهم من ذلك أن الناتو لا يعتزم إيقاف عملياته في أفغانستان، الأمر الذي لا يدع الحلف يشيح بوجهه عن روسيا، إذ يعوزه نقل الإمدادات إلى قواته في أفغانستان عبر روسيا.
الآن على ما يبدو، فإن موسكو تستخدم مع حلف الناتو لعبة العض على الأصابع، حيث تحاول أن تثبت لقادة الحلف أنها لا تهمها استراتيجيات الحلف القديمة للتوسع شرقا نحو حدودها، وزرع قواعده العسكرية في أراضي الدول المجاورة لها، بل باتت روسيا هي التي تأخذ زمام المبادرة بطرح خططها ومشاريعها لمنظومة الأمن الأوروبي الشاملة.
هذه المنظومة التي من المفترض أن المجال الوحيد لمناقشتها هو داخل حلف الناتو فقط، ولا يجوز لأية جهة من خارج الحلف أن تناقشها.لكن روسيا وحدها هي التي قررت وضع مشروع معاهدة جديدة للأمن الأوروبي المشترك، وقعها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف وأرسلها لكافة رؤساء الدول الأوروبية لمناقشتها.
وبالطبع أرسلت موسكو نسخة من المشروع لواشنطن، التي استشاطت غضبا من التدخل الروسي المباشر في الأمن الأوروبي، لكنها لم تبد غضبها ولم تعلق على المشروع مباشرة، بل انتظرت وقتا طويلا، أكثر من خمسة أشهر، بعد أن أبدى الأوروبيون رأيهم ما بين مؤيد ومعترض ومتحفظ.
بعدها خرجت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، منذ أيام، لتعلن رفض واشنطن لهذه المعاهدة. ولكن الرفض جاء هادئا للغاية، حيث قالت كلينتون إن واشنطن لا تعتبر إبرام معاهدة جديدة حول الأمن في أوروبا «أمرا عمليا».
هذه المؤشرات تعكس بوضوح مدى أهمية التواجد الروسي الآن على الساحة الدولية، حتى أن حلف الناتو الذي أرهب وأرعب العالم أكثر من نصف قرن مضى لم يعد يجرؤ على معارضة روسيا حتى عندما تتدخل في أهم شأن من شئونه، وهو الأمن الأوروبي.
كاتب روسي