بعد بضعة أيام، في 14 شباط تحديداً، تحل الذكرى السادسة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وهو رئيس الوزراء الثاني الذي يجري اغتياله في تاريخ لبنان الحديث، بعد الرئيس رياض الصلح في نهاية الاربعينات، ومن مفارقات القدر أن الرئيسين يتحدران من مدينة صيدا عاصمة لبنان الجنوبي.
اغتيال الرئيس الحريري مناسبة لنا، نحن الإعلاميين الذين عرفناه والتزمنا حياله موقفا موضوعيا، لا يذهب نحو المناصرة غير المشروطة ولا نحو العداء الفظ، لنجري اليوم تقييما هادئاً لتجربة خصبة من تاريخ لبنان.أين نجح الرئيس الحريري وأين فشل؟في النجاحات..
أولاً: نجح الحريري في منح موقع رئاسة الوزراء العائد إلى الطائفة السنية، مهابة كبيرة ومنزلة استثنائية لم تكن له يوما، حتى طغت شخصيته على موقع رئاسة الجمهورية التي تقلصت صلاحياتها، خصوصاً بعد اتفاق الطائف عام 1989.
وذلك عائد إلى جملة أسباب، بينها الشبكة الواسعة لعلاقاته العربية والدولية، والثراء الكبير الذي كان يتمتع به، حتى حسب بين أول مئة ثري على المستوى العالمي.
ثانيا: نجح في إعادة وضع لبنان على الخريطة الدولية، ونسج صلات حميمة مع رؤساء الدول عادت بالنفع على الاقتصاد اللبناني.ولعل مؤتمرات «باريس ـ1» و«باريس ـ2» و«باريس ـ3»، خير دليل على قدرته على حشد التأييد الدولي لقضايا لبنان.لقد أطلق الشهيد الحريري أوسع عملية إعمار في تاريخ لبنان، ما زالت آثارها جلية في كل مرفق ومدينة.
ثالثا: نجح في الموازنة بين الوزن الكبير الذي تملكه سوريا على صعيد النفوذ داخل لبنان، والنفوذ الذي باتت تملكه المملكة العربية السعودية التي تعد الحريري أحد أبنائها. لقد اندفعت المملكة العربية السعودية في إلقاء ثقلها السياسي والمالي إلى جانب الحريري ومشاريعه العمرانية.
مما سمح له بان يقبض على شرايين الاقتصاد اللبناني، في مقابل سيطرة سوريا وحلفائها على الملفين السياسي والأمني، من خلال الوجود الكثيف ل25 ألف جندي سوري على الأرض اللبنانية، فضلاً عن شبكة استخباراتية قوية، يدعمها تنسيق يبلغ حد التوأمة بين جهاز الأمن السوري وجهاز الأمن اللبناني.
رابعاً:نجح في جذب الكتلة السنية الشعبية، إلى التمسك باستقلال لبنان وسيادته وفرادته في العالم العربي، بعد عقود من الاندفاع إلى نصرة القضايا العربية فقط، سواء مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، أو خلال الحقبة الفلسطينية مع ياسر عرفات. لقد تمت «لبننة» المشاعر لدى أوسع قطاع سني شعبي، الأمر الذي تجلى على خير وجه مع استشهاده.
خامساً:نجح في إقامة علاقات ودية خاصة مع القيادات الدينية المسيحية، التي باتت تعتبره ممثلها الحقيقي في السلطة التنفيذية، خصوصاً أن الرئيس الراحل إلياس الهراوي، الماروني الأول في هرم السلطة، كان شديد الولاء للقيادة السورية، مما أثار تحفظات مسيحية شديدة عليه.
تلك إنجازات الشهيد رفيق الحريري، على وجه الإجمال.فأين أخفق؟
أولاً:أخفق في إصلاح المؤسسات الرئيسة، وذهب بعيداً في السكوت على عمليات الهدر المالي والإثراء غير المشروع واستشراء الفساد في المؤسسات جميعها.
ثانياً:أخفق في بناء علاقة ثقة حقيقية مع النظام السوري، الذي كان يخشى الشهيد الحريري ويحاول أن يستفيد من شبكة علاقاته الدولية، دون أن يطمئن له مرة أو يعتبره من المخلصين له.لذلك كان يؤثر عليه الرئيس نبيه بري، فضلا عن رئيس الجمهورية إلياس الهراوي.
ثالثاً:أخفق في الموازنة على صعيد علاقات لبنان الدولية، بحيث اندفع في توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة، فيما كانت الحاجة إلى تنويع مصادر الدعم الدولي لقضايا لبنان في تحرير أرضه المحتلة.
رابعاً:أخفق في بناء تنظيم سياسي حديث، يتولى الدفاع عن رؤيته السياسية ومشاريعه الاقتصادية.ومتأخرا جداً، جرى تأسيس تيار «المستقبل» الذي بقي حالة عاطفية، منعته من أن يتحول إلى تنظيم سياسي عصري، يقوم على البرامج والكوادر القادرة على ترجمة رؤية الرئيس الشهيد إلى خطة متكاملة.
في ميزان النجاحات والإخفاقات، يميل الميزان لصالح الرئيس الشهيد الذي سيبقى رمزاً استقلالياً شامخاً.ويبقى أنه قدم باستشهاده، طلب انتماء إلى قافلة من الكبار الذين صنعوا تاريخ لبنان.
كاتب لبناني