ما بعد المؤتمر الدولي حول اليمن

ما بعد المؤتمر الدولي حول اليمن

خلال المؤتمر الدولي حول اليمن، الذي انعقد مؤخرا في لندن، اتفق اليمن وعدد من الأطراف المانحة على العمل معا من اجل التصدي لخطر تنظيم القاعدة.

واعتبرت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، أن إعادة الاستقرار والوحدة إلى اليمن يعد أولوية لبلدها، وقالت إن الولايات المتحدة وقعت مع اليمن على اتفاقية مدتها ثلاث سنوات، من اجل حل قضايا الأمن والتنمية فيه، وأن العمل العسكري بمفرده غير كاف، مضيفة أن المجتمع الدولي سيعمل مع اليمن لتدعيم حقوق الإنسان، وإقامة مؤسسات ديمقراطية ومكافحة الفساد. وحثت السلطات اليمنية على تنفيذ برنامج من عشر نقاط، للتصدي لنفوذ وتأثير الحركات المتطرفة.

وقد شارك في المؤتمر رئيس الوزراء اليمني الدكتور علي محمد مجاور، بالإضافة إلى مسؤولين من دول غربية وممثلين عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وصندوق النقد والبنك الدوليين. وتعهد اليمن بإجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية فورية لتسهيل مكافحة القاعدة، كما جاء في بيان أصدره قبيل انعقاد المؤتمر، وأشار اليمن إلى أنه سيسعى إلى إجراء محادثات مع صندوق النقد الدولي كجزء من برنامجه الإصلاحي.

وقد قال أكثر من مصدر يمنى إن اليمن في حاجة إلى ما يقرب من 40 مليار دولار، من أجل تنفيذ برامج التنمية التي يمكن أن تمنع الشباب اليمني من الانضمام إلى القاعدة، وسوف تستكمل المناقشات ووضع الخطط التنفيذية لما تم الاتفاق عليه في لندن، في اجتماع آخر سيعقد في الرياض هذا الشهر.

وهناك تساؤل أساسي على المراقب أن يسعى للإجابة عليه، يتعلق بما إذا كان المؤتمر وما نتج عنه من قرارات، سوف يؤدي إلى إنهاء تواجد تنظيم القاعدة في اليمن، أو على الأقل التقليل من خطورة التنظيم في هذه المنطقة المهمة استراتيجيا واقتصاديا!

وهنا تبرز وجهتا نظر؛ الأولى هي المعبرة عن السلطة اليمنية التي ترى أن مقررات المؤتمر ستمكن الدولة اليمنية من تجاوز التحديات التنموية والمشكلات الناجمة عن الإرهاب والمشاريع الصغيرة، في إشارة إلى مواجهة النظام مع تنظيم القاعدة والحراك الجنوبي. على الجانب الآخر فإن المعارضة اليمنية رأت أن المقررات استهدفت إنقاذ السلطة السياسية في اليمن، بدلا من إنقاذ الدولة التي تتعرض لتدهور خطير بسبب سياسات السلطة نفسها.

وهناك من يرى أن هذه المقررات، حتى لو تم تنفيذها، لن تؤثر كثيرا في مساعدة النظام اليمني على مواجهة تنظيم القاعدة، بل يمكن أن تضعف السلطة اليمنية نفسها، ذلك أن التنظيم متواجد في اليمن بفضل عاملين أساسيين؛ الأول العامل الجغرافي المتعلق بالطبيعة الجبلية لليمن، حيث يصعب على السلطة مطاردة الهاربين إلى الأماكن الجبلية النائية، وهو ما يتطلب دعما لوجستيا كبيرا من القوى التي تهدف إلى مساعدة اليمن، ولكن ذلك يمكن أن يؤثر على النظام اليمني ويسبب له متاعب مع المعارضة، التي ستتهمه بالتعاون مع الخارج في قضايا داخلية.

أما العامل الثاني، فيتعلق بان القاعدة موجودة في اليمن بفضل العلاقة التي تربط عناصرها بقبائل يمنية نافذة. ولكي تواجه الحكومة اليمنية هذا الأمر، عليها أن تتصارع مع هذه القبائل، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثر على القاعدة السياسية والاجتماعية للحكم اليمنى، خاصة وأن هذا الحكم قامت شرعيته على التوازن بين القبائل، وعلى عدم إغضاب القبائل الرئيسية، وبالتالي فإن الحكم اليمني يمكن أن تهتز شرعيته، إذا ما حاول الدخول في صراع مع القبائل التي تؤوي عناصر القاعدة.

وهناك حل وحيد أمام السلطة اليمنية إذا ما أرادت أن تنجح حملتها في مواجهة تنظيم القاعدة، وهو أن تنسق مع القبائل، سواء لمساعدتها على الدخول إلى المناطق الجبلية الوعرة التي تعرفها جيدا، أو لمنعها من إيواء عناصر التنظيم، وذلك يتطلب توجيه جزء من الأموال التي ستحصل عليها الحكومة وفقا لمقررات مؤتمر لندن، إلى هذه القبائل، سواء في صورة مشروعات تنموية توجه إلى المناطق التي تعيش فيها هذه القبائل، أو في صورة أموال لصالح زعماء القبائل التي تؤوي عناصر القاعدة، من أجل دفعهم إلى التراجع عن إيوائهم.

والأمر المهم في ما يتعلق بمواجهة القاعدة في اليمن، لا يتعلق بتطبيق مقررات مؤتمر لندن، وإنما بان تكون لدى الحكومة اليمنية إرادة مواجهة القاعدة. فقد كانت الحكومة في السابق، لا ترغب في مواجهة القاعدة، لأسباب تتعلق بالتوازنات الداخلية للحكم وعلاقته بالقبائل، ولأنها أيضا تدرك أن التنظيم لا يمثل خطرا عليها، حتى ولو مثل خطرا خارجيا أو إقليميا.

والأمر الذي حدث هو أن الخارج، ممثلا في القوى الإقليمية التي لها مصالح استراتيجية أو اقتصادية في اليمن، وتلك التي رأت أن ما يحدث في اليمن يؤثر عليها بعد محاولة تفجير طائرة أمريكية في دترويت، والتي قام بها شاب نيجيري تم تدريبه في معسكرات القاعدة في اليمن، هو الذي ضغط على اليمن من أجل التصدي للقاعدة، وفي حالة ما إذا رأت تلك القوى أن الحكومة اليمنية غير جادة في المواجهة، سيكون لها موقف آخر قد يتمثل في التدخل المباشر، أو عبر قوى إقليمية حليفة لها.

وهكذا فان عدم جدية الحكومة قد يكون هو الطريق إلى تدويل المسألة اليمنية، وهو ما رفضته الدول العربية من قبل، لكنها لن تستطيع مواجهة الضغوط الخارجية في المراحل المقبلة، وبالتالي على الدول العربية أن تساعد اليمن في مواجهة التنظيم، كي لا يحدث ما لا تريده، والأشهر المقبلة ستكون هي المحك في هذا الشأن.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات