ستظل قضية النظام التعليمي وصناعة المستقبل، هي الشغل الشاغل وبؤرة اهتمام كل الغيورين على مستقبل هذا الوطن، باعتباره قاطرة التنمية، وباعتبار أن أي حديث حول مشاريع النهضة هو حديث منقوص، دون النظر بعين الاعتبار إلى مؤسسات التعليم، كونها الرافد الرئيس الذي يمد المجتمع باحتياجاته من الطاقات البشرية المؤهلة، التي يحتاج إليها في مسيرته التنموية بمجالاتها المختلفة.

ذلك أن الأمم الطامحة لمواجهة التحديات التي تحول دون انطلاقها في دروب الرقي والنماء، مهما كان حظها من الرفاه الاقتصادي ما بين الوفرة والندرة، تبدأ به وتنتهي إليه، باعتباره فاعلا رئيسا في تكوين شخصية الفرد وثقافة المجتمع، ورأس الحربة في طريق التحديث والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بل إن النظام التعليمي هو خط الدفاع الأول في مواجهة كافة التحديات، التي تواجه وطننا في بناء مسيرته الحضارية، في ظل عالم متغير تتدافع فيه التيارات الفكرية من كل الاتجاهات، ولن يصمد إلا الأحصن ثقافة والأغزر فكرا.

وانطلاقا من تلك الأهمية، حظيت مؤسسات التعليم باهتمام بالغ، ووضعتها الدولة على سلم أولوياتها. وللانصاف، فإن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي استطاعت تحقيق قفزات نوعية وكمية كبيرة، من خلال وضع البرامج والاستراتيجيات والانفتاح على مختلف المدارس الفكرية، لاصطفاء التجارب التي أثبتت نجاحاتها دوليا.

إضافة إلى انتقاء أفضل الكفاءات والخبرات التدريسية لرفع مستوى التعليم، كما بذلت جهودا كبيرة للتحول من أساليب التعليم التقليدية التي تعتمد على «ملء الوعاء» وتختزل التعليم في عمليات التذكر والاسترجاع، إلى اتباع وسائل ومناهج حديثة تساعد على «التفكير والنقد»، بما يواكب المعايير العالمية.

ولعل ما شهدناه منذ أيام خلت من انعقاد العديد من المؤتمرات المعنية «بمخرجات التعليم وسوق العمل»، أو المعنية بالتعليم الإلكتروني ومستقبلة، وكذلك إعلان جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا عن انتهاج التعليم الإلكتروني في جميع كلياتها بحلول عام 2011، يمثل حالة من حالات الحراك الفكري التي تنم عن وعي متأصل بأهمية النظام التعليمي وآفاقه المستقبلية. وستنتج عن ذلك لا محالة إضافة إيجابية لرصيد الواقع التعليمي لدولتنا، والذي أود أن أطرح بخصوصه بعض الملامح، كممتهن لمهنة التدريس الجامعي ومعايش لواقعه يوما بيوم.

أولا: إن هناك عقبة كبرى تواجه التعليم الجامعي، وهي ضعف مستوى التعليم ما قبل الجامعي، حيث انه من الصعب البناء على أساس غير متين. فعلى الرغم مما تقدمه الدولة من دفعات قوية للارتقاء به، إلا أن المردود النهائي ما زال مترديا، سواء في المستوى اللغوي أو مهارات التفكير. لذا يجب على البيئة المشاركة في البناء، مثل البيت والمجتمع، أن تساهم بفاعلية في الرقي بمستوى التعليم، من خلال التوجيه والإرشاد.

ثانيا: إن قيام الجامعة بدورها في رفد المجتمع بالكوادر المؤهلة في كافة التخصصات، لن يتأتى إلا من خلال تجسير العلاقة بين الجامعة والمجتمع لتكون أكثر التحاما بمجتمعها، ومن هنا لا بد أن تكون مناهجنا وثيقة الصلة بواقعنا.

ثالثا: أن نظرة المجتمع بكافة قطاعاته للجامعات باعتبارها قاصرة على العملية التعليمية، لا بد أن تتغير فهي تمثل بيتا للخبرة، بما تشمله من كوادر ذات خبرات كبيرة يمكن أن يتعاظم دورها التنويري والإبداعي، بتقديم رؤى علمية قائمة على قراءة واقع المجتمع وتساهم في تطويره.

رابعا: أنه مع انفتاحنا على مختلف التجارب التعليمية ومدارس الفكر الإنساني، للاستفادة منها في إكساب نظامنا التعليمي الحيوية والتجديد، ينبغي أن تظل خصوصيتنا الثقافية حاضرة في مناهجنا، بما يدعم التماسك الاجتماعي ويقوي أواصره. وهنا أتذكر ما قاله غاندي «إنني أفتح نوافذي للشمس والريح، ولكني أتحدى أية ريح أن تقتلعني من جذوري».

عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com