عندما كنت تلميذا صغيرا في المدرسة الابتدائية، كانت في كتاب المطالعة قصة صغيرة لطيفة اسمها «سرحان.. بين البيت والغيط»، وقد بلغ من ظرفها أني ما زلت أتذكرها حتى الآن، كما أتذكر عنوانها بالضبط، والصورة اللطيفة المصاحبة لها، والتي يظهر فيها سرحان، التلميذ الصغير، وهو يحمل خروفا صغيرا ويضمه بذراعيه إلى صدره.

القصة باختصار أن والدة سرحان طلبت منه أن يذهب إلى بائع الخراف ليتسلم منه خروفا صغيرا، كانت قد اشترته ودفعت ثمنه.

فذهب سرحان وتسلم الخروف، وحمله على النحو الذي وصفته حالا حتى وصل به إلى أمه. قالت له أمه إن هذه ليست أفضل طريقة لجلب الخروف إلى البيت، بل كان الأفضل أن يربط الخروف بحبل ويسحبه وراءه حتى يصل إلى البيت.

استوعب سرحان النصيحة، ولكنه فيما يبدو استوعبها أكثر من اللازم، إذ إنه، عندما أعطته أمه في اليوم التالي مبلغا من النقود، وطلبت منه أن يذهب إلى الجزّار لشراء قطعة من اللحم، نفّذ سرحان وصية اليوم السابق، فربط القطعة بحبل وجرّها في الطريق حتى وصلت إلى البيت في حالة يرثى لها من القذارة.

استمرت القصة على هذا المنوال: يخطئ سرحان التصرف، فتنصحه أمه بما كان يجب عليه أن يصنع، فينفذ النصيحة بحذافيرها دون أن يلتفت إلى اختلاف الظروف، فإذا به يخطئ مرة أخرى، وتصحح الأم له خطأه بنصيحة أخرى، ولكنه يستمر في ارتكاب الأخطاء، لأنه يطبق النصيحة حرفيا ولا يستخدم عقله.

لا عجب أن كاتب القصة سماه «سرحان». في السنوات الأخيرة ظلت قصة سرحان وحيرته بين البيت والغيط (الحقل) تعود إلى ذهني، كلما شرعت في ركوب طائرة للسفر إلى الخارج، ورأيت إجراءات الأمن التي تطبقها كافة دول العالم الآن، تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، وبالذات منعاً لتكرار عملية خطف الطائرات أثناء سيرها في الجو، وتفجيرها أو إجبارها على الهبوط في مكان غير المكان الذي تقصده.

بدأ الأمر بإجراء بسيط، هو إجبار الركاب على وضع حقائبهم الصغيرة لتمرّ تحت جهاز معين يصدر إشارات صوتية كلما كان في الحقيبة جسم معدنى، كوسيلة لاكتشاف أي متفجرات معدنية.

ولكن حيث أن هذا لم يمنع وقوع بعض الأعمال الارهابية، فقد طلب أيضا من كل مسافر أن يمرّ هو نفسه من خلال بوابة معينة لها نفس الوظيفة، وتصدر بدورها إشارة صوتية لدى وجود أي نقود معدنية، أو مجرد حزام ينتهي بقطعة من المعدن، ومن ثم تبين أن هذه أيضا لا يمكن أن تكون طريقة فعالة لمنع الارهاب، ولم يعد رجال الأمن يعلقون أهمية كبيرة على سماع هذه الاشارات.

حدث أن اكتشف بطريق المصادفة البحتة، وليس عن طريق أي من الوسيلتين السابقتين، أن راكبا كان يحمل قنبلة صغيرة في داخل حذائه، فأضيف إلى إجراءات الأمن السابقة اشتراط خلع الراكب لحذائه ووضعه في صندوق من البلاستيك، مع جاكتته وحزام بنطلونه.

لا بد أن منظر الركاب وهم يقفون في الطابور أثناء مرورهم برجال الأمن قبل توجههم إلى الطائرة، بعد أن خلعوا الحذاء والجاكته، ثم استجابوا لطلب مسؤول الأمن برفع أذرعهم في الهواء ريثما يمر هو بالجهاز الكشاف أو بيديه على جسم كل منهم، للتحقق من أنهم لا يحملون سلاحا من أي نوع، لا بد أن منظرهم هذا من شأنه أن يثير العجب الشديد والرثاء لدى أي شخص يراه لأول مرة، دون أن يكون قد سمع بقصص الارهاب، بل وقد يظن أن المسؤولين عن الأمر قد أصابهم نوع من العته، إذ يصرّون على اتباع هذه الاجراءات الممعنة في سخافتها.

وجه السخافة هو أنه ليس هناك في الحقيقة من سبيل لمنع أعمال الارهاب، إذا صحّ عزم الارهابي على التضحية بحياته في سبيل إحداث أي انفجار في طائرة أو غيرها. والذي يتصور أن من الممكن ضمان السلامة بمجرد تفتيش الجيوب أو الأحذية، هو شخص ممعن في تفاؤله.

مثلما كانت والدة سرحان التي ظنت أنها بنصيحة أو نصيحتين يمكن أن تضمن أن يتصرف سرحان التصرف السليم. المشكلة في حالة سرحان أنه، بسبب ضعف قواه العقلية، قادر على ارتكاب عدد غير محدود من الحماقات، كما أن المشكلة في حالة الارهابي، أنه قادر على استخدام عدد غير محدود من الوسائل لتنفيذ هدفه الإجرامي.

لم يتوقف الأمر عند حد تفتيش الحقائب الصغيرة والجيوب والأحذية، إذ تبين للمسؤولين عن الأمن أن التفجير والارهاب يمكن أن يتم، ليس فقط باستخدام أجسام صلبة كقنبلة أو مسدس أو سكين، بل يمكن أيضا أن يتم باستخدام سوائل، عن طريق إضافة مواد كيميائية معينة اليها.

ومن ثم أصبح من المهم، ليس فقط التأكد من عدم وجود قنابل في ما يحمله الركاب، أو أي أشياء حادة، حتى لو كانت مطواة صغيرة أو مقص أظافر، بل يجب أيضا منع الركاب من أن يحملوا زجاجة ماء يزيد حجمها عن حد معين، هو الحد اللازم لصنع مادة متفجرة بعد الركوب في الطائرة (غاب عنهم بالطبع أن من الممكن أن يتفق شخصان على أن يحمل كل مهما زجاجة صغيرة من الماء على أن يضيفوا محتوى زجاجتين بعد أن يركبا الطائرة).

هكذا فرض على الركاب أيضا التخلي عن زجاجات الماء وسوائل أخرى قبل الصعود إلى الطائرة.

المدهش في هذا كله، ليس فقط طريقة تفكير المسؤولين عن الأمن واشتراطهم شيئا جديدا بعد آخر، ظناً منهم أنهم بذلك يضعون حدا للارهاب. بل المدهش أكثر هو درجة الاستسلام التي يبديها المسافرون إزاء عمل بعد آخر من الأعمال المقيدة لحريتهم، بل والمهينة، بتعريضهم لهذا العبث بمتاعهم الشخصي وملابسهم وأجسادهم.

إذا خطر لأحد أن يشكو أو يحتج، فما أسهل أن يكون الرد «تعليمات» أو «مقتضيات الأمن» أو «نحن نفعل كل هذا من أجل سلامتكم»، أو «فلتذهب إلى الجحيم، ولن يسمح لك على أي حال بالسفر إذا لم تنفذ ما يطلب منك».

أصارح القارئ بأنه كثيرا ما يخطر لي أن الغرض الحقيقي من كل هذه الاجراءات، وزيادة التعنت فيها مع مرور الوقت، ليس هو مكافحة الارهاب، إذ يصعب عليّ أن أتصور أن يكون المسؤولون عن الأمن بهذه الدرجة من الحماقة.

خاصة وأنه لا تفجير الطائرات ولا أي وسيلة أخرى لإثارة الذعر، يبدو أنها قد حققت أي هدف من الأهداف التي يفترض أن «الارهابيين» يريدون تحقيقها (بفرض أننا نعرف ما هي هذه الأهداف أصلا!)، يخطر ببالى أن هناك هدفا آخر من هذا كله، وهو مجرد تخويف الناس، وإفقادهم الشعور بالأمن.

ونشر الشعور بأن هناك أخطاراً خفية لا يمكن أن يحموا انفسهم منها إلا بالاستسلام لما يطلبه منهم أصحاب السلطة.

بعبارة أخرى، قد يكون الهدف الحقيقي، ليس إلا ذلك الشيء نفسه الذي يقال انه هدف الارهابيين، وهو التخويف ونشر الذعر. كل ما هنالك ان الارهابي الحقيقي في واقع الأمر، ليس هو الاسلاميين أو ابن لادن أو تنظيم القاعدة، بل يجب البحث عنه في مكان مختلف تماما.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu