الاغتيالات القذرة

الاغتيالات القذرة

هل قتل خنقا أم بحقنة أوقفت عمل عضلات القلب؟ التحريات لا تزال جارية.. ولكن ما هو أخطر في الأمر، ليس فقط مقتل سياسي فلسطيني ناشط مطلوب لدى الموساد الإسرائيلي، ولكن استغلال أرض دولة الإمارات التي تعتبر الدولة الوحيدة من بين دول العالم، التي ما زالت رغم الرعب الذي زرعه الإرهاب في كل شبر، تفتح أبوابها لكل جنسيات الكون دون طلب إذن مسبق من سفاراتها في الخارج، حتى أصبحت ملاذا آمنا للخائف والمعتر، ومكانا لطلب الرزق لملايين المحتاجين، الذين يحصلون على تأشيرة الدخول في لمح البصر عند بوابات مطاراتها وموانئها المتعددة.

ثم ان بعض الشعوب المتخلفة (والتي تعتبر نفسها فوق سيادة القانون الدولي)، ما زالت متمسكة بعاداتها القذرة في التعامل مع البشر، ومنها أسلوب الاغتيالات السياسية على مستوى الفرد والجماعة، وهو أسلوب عفا عليه الزمن وولى منذ زمن طويل. فالاغتيال السياسي أثبت عدم جدواه، خاصة في التعبير عن الانتقام من الشعوب المغلوبة على أمرها.

فالأحزاب والتجمعات والشعوب التي فقدت الأمل في الحصول على حقوقها المشروعة، لم تعد تهاب أو تخاف الموت بشتى أشكاله، ولم يوقف بالتالي حركات المقاومة في العالم.

وحتى لدى منظمات كمنظمة القاعدة، فقد انتقل من شكل الاغتيال الفردي إلى اغتيال جماعي يروح ضحيته المئات في رزمة واحدة. أما اغتيال مسؤول سياسي واحد على أراضي دولة مسالمة، فهذا يعد شكلا من أشكال التخلف أو الجنون في حل النزاعات بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

فإذا صحت التقارير والاتهامات بأن الموساد يقف وراء اغتيال المبحوح في مدينة مسالمة كمدينة دبي، فهذا يدل على أن إسرائيل تعيش في الآونة الأخيرة حالة من هستيريا التقهقر لم تبلغه من قبل منذ تاريخ ولادتها، وأنها ما زالت تمارس أساليب الموت والحروب والاغتيالات والاحتلال، لتبلغ مآربها ولتحل مشاكلها الداخلية قبل الخارجية.

المسألة الآن ليست في عملية الاغتيال في حد ذاتها، فالفلسطينيون ـ حالهم حال الأفغان والعراقيين ـ تعودوا على رائحة الموت والاغتيال والتشرد، وشطب اسم المبحوح من القائمة يمكن ملؤه في لمح البصر بمئات آخرين.

وقد تكرر ذلك في تاريخ القضية الفلسطينية ولم يغير شيئا، بل زاد الفلسطينيين قوة وصلابة. وإذا كان السبب في اغتياله هو كونه مسؤولا في لجنة التنسيق مع إيران، المسؤولة عن تهريب الأسلحة من إيران إلى قطاع غزة، فإن ألف مثل المبحوح على أتم الاستعداد للقيام بهذه المهمة دون أن تطالهم الموساد.

بيد أن القضية أكثر تعقيدا من مجرد عملية اغتيال لشخصية مطلوبة للموساد، فهي تتعلق بمدى الحق الذي تعطيه إسرائيل لنفسها في استخدام أراضي الدول الأخرى ـ وليست أي دولة ـ لتصفية حساباتها الداخلية؟ والذي يزيد المسألة تعقيدا، هو هل يحق لها أن تمارس هذا الحق في أي بلد دون مراجعة حساباتها؟

فلو تم اغتيال المبحوح في دمشق أو لبنان أو إيران أو الصومال، لقلنا ان بين البلدين حسابات كثيرة معلقة، ولكن أن يتم الاغتيال على أراضي دولة الإمارات ـ وتحت كلمة إمارات ألف خط ـ فهذا يدل على أن هناك فراغات كثيرة في حسابات إسرائيل واستخباراتها، وجاء في وقت حرج جدا فتحت فيه دولة الإمارات أبوابها لاستقبال الوفد الإسرائيلي برئاسة وزير البنى التحتية الإسرائيلية عوزي لانداو، وأغلقت الأبواب في وجه الانتقادات التي وجهت إليها باتخاذ هذه الخطوة غير المسبوقة.

وهذا الاستقبال لم يكن كرما خاصا من شعب الإمارات، ولكنه التزام دولي اتخذته على نفسها ولم تحاول التملص منه كبلد مضيف لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة. فكيف يقابل هذا التسامح الأخلاقي لدولة الإمارات بعملية على أرضها، أبعد ما تكون عن الدبلوماسية والأخلاق؟

ومن هنا جاء بعض التكهنات بأن عناصر الموساد التي اغتالت المبحوح قد دخلت مع الوفد الإسرائيلي!

وإذا صحت هذه التكهنات فإن المسألة ستكون لها انعكاسات خطيرة جدا في المستقبل.

الحساب الخاطئ الآخر في توقيت عملية الاغتيال هذه، جاء قبيل انفراج المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني عن تحرير الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط، وبالتالي عرقل الاغتيال قرار الإفراج عنه وزاد الطين بلة.

إن قائمة الاغتيالات التي نفذها الموساد (فقط) ضد الفلسطينيين (دون التطرق إلى قائمة الاغتيالات السياسية في لبنان وسوريا والأردن والعراق وتونس وربما إيران، ضد فلسطينيين وغير الفلسطينيين) قائمة طويلة جدا، ألصقت باسم إسرائيل مع تكرارها صفة «دولة الاغتيالات من الدرجة الأولى بامتياز» على مستوى العالم. فكل من يهدد أو هدد أو فكر بتهديد أمن إسرائيل، يجب تصفيته أيا كان مذهبه حتى ولو كان يهوديا، في أي مكان وفي أي زمان.

وأخيرا وصلت أيديهم إلى مدينة دبي، تلك المدينة المسالمة التي تمثل نقطة التقاء شعوب العالم في سلام لأجل البناء والتفاهم، ضاربة عرض الحائط بكل الأعراف والتقاليد الدبلوماسية والدولية، من خلال تلك العملية.

وربما نسيت إسرائيل أن اليهود أيضا موجودون في كل بقاع الأرض، وان كانوا يحملون جوازات مختلفة، والخوف أن تغري مثل هذه العملية ضعاف النفوس بتعريض حياة مواطنيها او غيرهم من اليهود في الخارج للانتقام المضاد.

هناك حدود للانتقام والانتقام المضاد، غير أن إسرائيل لا تعرف أي حدود لانتقامها على مر التاريخ. وإن كانت تصر على تصفية حساباتها مع أعدائها خارج حدودها الوهمية، بهذه الوسائل القذرة، فلتبق بعيدة عن تراب الإمارات الطيبة، دون أن تلوثها بجرائهما القذرة التي يرفضها شعب هذا البلد المضياف ومن يقيم عليه.

إن دبي ودولة الإمارات وشعبها وكل من يعيش عليها، يرفض أن تتحول إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.

واذا كانت إسرائيل لا تعرف العيش في سلام بسبب تعنتها وعجرفتها وظلمها، فهذا لا يعطيها الحق في نقل عدواها إلينا، هنا على أرضنا.

ترى متى ستتعلم إسرائيل من شعب الإمارات وحكامها أن لغة الحوار والتفاهم تظل أقصر طريق للأمان من لغة الاحتيال والاغتيال؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات