ابتليت أفغانستان منذ عقود بانقلاباتٍ عسكرية وحروب خارجية واقتتالٍ داخلي لم يوفر اليابس فضلاً عن الأخضر.
وأضحت منذ أربعة عقود تقريباً ساحة تجريبٍ للأسلحة ومحطةً نزاعاتٍ بين دول شبه القارة الهندية، وتحديداً باكستان والهند، بالإضافة إلى إيران. تحولت إلى كرةٍ تتصارع عليها القوى العظمى من أجل فرض سيطرتها ليدفع، كما هو معهود، الشعب الأفغاني فاتورة غذاء الكبار على طاولته ويخرج من المولد بلا حمص..بل ببضع وريقاتٍ من الأفيون.
ويحاكي الصومال في القرن الإفريقي تجربة أفغانستان من حيث الفوضى وانعدام سيادة الدولة والخلافات العرقية والدينية، وتناسل الحركات المتطرفة وتدخل بلدان الجوار وتلك العظمى، حتى لم تبق دولة إلا وغمست أصابعها هناك..اللهم إلا الحكومة الصومالية نفسها.
كان من الطبيعي، والحال كذلك، أن نرى مقديشو وكابول تتحولان إلى معضلةٍ في الوقت ذاته الذي يبدو فيه الجواب في متناول اليد لتصبح الطريقة السيزيفية التي تتعامل من خلالها الولايات المتحدة مع المشكلتين أشبه بحوار الطرشان.
بدا محدثي الباكستاني، وهو ضابط في البحرية، واثقاً بطريقةٍ مخيفة من كلامه قبل أيام، حينما أكد أن لا حل على المدى القريب للأزمات في أفغانستان أو في المناطق الحدودية الباكستانية المتاخمة بسبب الصراع الأزلي على النفوذ بين دول المنطقة التي لا تتسع لأكثر من طباخٍ واحد..وإلا فستحترق طبخة واشنطن لا محالة.
يعيد هذا الحديث ذاكرة الإنسان إلى الوراء ليقارن بين تجربتين متشابهتين إلى حدٍ ما لتجربتي أفغانستان والصومال وهما مثالي ألمانيا النازية ويوغسلافيا السابقة. دخل الحلفاء برلين بعدما حولوها إلى أثرٍ بعد عين، وبحالةٍ أسوأ من حالة مقديشو وكابول في أيامنا هذه.
وعلى الفور، اتحدت جهود واشنطن والدول الأوروبية فأعلنوا خطة مارشال، في ما كان جيران ألمانيا الطرف الأكثر اهتماماً بمساعدتها على الوقوف على قدميها مجدداً، لأنهم أدركوا أن مرضها كان سينتقل إليهم لاحقاً إن هم تقاعسوا عن ذلك.
أما البوسنة، فمد الاتحاد الأوروبي يده إليها ومكنها من نسيان جروحها، حتى تناست الماضي وباتت على أعتاب بروكسل، لذا إذا أراد البيت الأبيض أن يعرف ما الذي يجري في أفغانستان والصومال، فعليه أن يفتش عن الجيران.
