مع نهاية كلّ عام، يعانق الناس بعضهم متمنين بداية عام يزخر بالخير والسلام والصحّة. والسلام في عالمنا العربي لطالما كان بيت القصيد. تكثر التكهنات والتنبؤات من حربٍ وموت إلى انفجار وزلزالٍ، لكن تبقى كلّها تكهنات نضحك لسماعها ونستبعد حدوثها.
زلزال هاييتي وانفجار الطائرة الإثيوبية في بيروت، حادثتان، لا بل كارثتان، كلّلتا بداية عام 2010. لست أدري ما إذا كان بالإمكان القول من المسؤول؟ فقد اعتدنا أن نربط الكوارث والمصائب بأفراد وجماعات..
اليوم لسنا أمام حرب أهلية ولا خلاف وتراشق كلامي بين سياسيين.. نحن أمام كوارث صداها أقوى بكثير، لا بل مفعولها وحد الجهود وجمع المساعدات وأطلق صوت الضمير الإنساني بين الشعوب.
من هاييتي إلى بيروت، محيطات وجبالٌ ووهادٌ، لكن المأساة جمعتها، مأساةُ بلدٍ دمرت مبانيه بالكامل واكتظت أرضه بالجثث.. منظر يذكر بمأساتنا في قانا وغزّة، حيث أشلاء الأطفال والأجساد والدماء فرشت الأرض.
امّا في بيروت فالبحر وحده يحمل سرّ هؤلاء اللبنانيين، الذين هاجروا بحثًا عن لقمة العيش وغدر بهم المصير ليتناثروا أشلاْءً ويبقوا دمعةً في عيون أحبائهم وحسرة في قلوب أهاليهم، إضافةً إلى تلك اليد العاملة الإثيوبية الفقيرة التي وجدت في لبناننا الصغير ملجأً يؤوي جوعها ويرضي طموحها البسيط، رغم الأقاويل عن التقصير تجاه الجالية الإثيوبية مع التركيز على الضحايا اللبنانيين.. جميلة هي الروح الوطنيّة لكن الأجمل منها الروح الإنسانيّة.
وإذا كانت الشطرنج لعبة الأذكياء تتبعثر أحجارها هنا وهناك لحماية الملك الذي يدير اللعبة، فقد أصبح الكائن البشري في العالم بشكل عام، كما في العالم العربي، كلعبة شطرنجٍ خاسرة، لأنّ هذا السياسة تحول مجرى اللعب من الأعلى إلى الأسفل ومن القمة إلى الانحدار..
ففي ذروة تداعيات كارثة هايتي، صدرت تقارير صحفية تؤكد أن الزلزال المدمر ليس الجاني الحقيقي في ما أصاب تلك الجزيرة الواقعة في منطقة الكاريبي، وإنما للأمر أبعاد أخرى قد لا يتصورها كثيرون، وتتعلق أساسا بتجارب علمية أمريكية وإسرائيلية حول حروب المستقبل، التي ستحدث تدميرا واسعا وستظهر في الوقت ذاته وكأنها كوارث طبيعية.
كما أنّ تسريبات أخرى جزمت بأن تجربة السلاح الزلزالي الأمريكي تستهدف في آخر المطاف إيران، عن طريق إعداد خطة ترمي إلى تدميرها من خلال إثارة سلسلة من الهزات الأرضية الاصطناعية والإطاحة بالنظام الإسلامي فيها.
أمّا في بيروت فلا بدّ أنّ التهديدات الإسرائيليّة بشن حرب على سوريا ولبنان، محورت جميع الآراء والفرضيّات حول الاعتقاد بأن سقوط الطائرة الإثيوبية هو عمل تخريبي، هدفه زعزعة الأمن وتوجيه الاهتمام والجهود إلى قضيّة حساسة، ترتب على الدولة اللبنانية مسؤولية وطنية ومهنية عالية وحرصا على الحقيقة واحترام مشاعر ذوي الضحايا والمفقودين.
وبالطبع لا يغيب عنّا أرجاء الجلسة النيابية التي كان يتوقع لها على أن تكون «عاصفة»، بفعل الخلاف الدائر حول تخفيض سن الاقتراع من 21 إلى 18 سنة، وربطه بأحقية المغتربين في الإدلاء بأصواتهم.
كما يقال «مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد»، فاللبناني دائمًا لا يبصر ويتدارك الأمور إلى حين وقوع الكارثة. وقد فتحت هذه القضية أبوابًا كثيرة، منها هجرة اللبناني وسعيه للعيش بكرامة، بعيدا عن وطن لم يعد يحمل أبناءه فيدفع بهم إلى الغربة ليبعدهم عن اللا استقرار، وكأن قدرهم أن يعيشوا ويموتوا غرباء. إضافةً إلى إمكانية فتح خطوط جويّة بين لبنان والقارة الإفريقية..
لكني أتساءل كيف أنّه أمام المصائب والكوارث نرى الماروني والسني والشيعي والدرزي في بوتقة واحدة يتشاطرون الألم والوجع ويتشاركون المأساة؟! لماذا لا تبقى الوحدة الوطنية عنوانًا والشراكة لبناء وطن أبيّ، لحنًا نغنّيه مثل صلاتنا اليوميّة؟ صحيح أنّ الصرح القوي يُعرف عند مهب الريح، لكن الصرح الأقوى هو الذي لا يسمح بهبوب الريح.
«كذب المنجمون ولو صدقوا»! فإن كانت نجحت بعض تكهناتهم وكانت الطبيعة قد تمردت علينا، فلا بد أن نقوم بواجبنا كبشر حيال بعضنا، وإذا كنّا قد أخطأنا كبشر في حق الإنسانية، فلا بدّ أن تكون سنة 2010 سنة الضمير والوعي والسلام.
ألا يمكن أن نستبدل الملك مجسد السياسة، بالملك مجسد الإنسانيّة في لعبة الشطرنج؟ أم أن حياتنا كعرب ما هي إلاّ لعبة شطرنج!
كاتبة لبنانيّة