لم تكن عملية اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، عملية عابرة أو معزولة عن سياق تاريخي، يشهد على أن إسرائيل اعتمدت هذا الأسلوب لتصفية الكثير من قيادات وكوادر الحركة الوطنية الفلسطينية.

القائمة التي استهدفتها إسرائيل عبر جهاز الموساد، تطول لتشمل قيادات سياسية وفكرية وإعلامية، وليس فقط قيادات عسكرية أو أمنية فلسطينية. في كل حالات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات وكوادر الحركة الفلسطينية، لم تكن الجغرافيا السياسية، ولا سيادة الدولة أو القانون الدولي، من بين الاعتبارات التي تؤخذ بعين الاعتبار.

الاغتيالات وقعت في دول عربية مشمولة بالصراع مع إسرائيل، مثل سوريا، ولبنان، والأردن، تونس... وأخرى تحسب على خانة الدول الحليفة تاريخياً للدولة العبرية، مثل فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، الدول الاسكندينافية.

بهذا المعنى، لم يكن غريباً أو مستغرباً أن تقدم إسرائيل على تصفية المبحوح، في أحد فنادق دبي، فبالرغم من المكانة المحترمة إقليمياً ودولياً التي تحظى بها دولة الإمارات العربية المتحدة، واعتدال سياساتها ورسوخ أمنها الداخلي، فإن الأمن بالنسبة للحكومات الإسرائيلية يحظى بقدسية خاصة، تفوق كل أهمية القوانين والقيم الإنسانية.

أن تنجح إسرائيل في الوصول للمبحوح في دبي، لا يشكل بأي حال سبباً لتسجيل ملاحظات أو تقصيرات في مجال الأمن الإماراتي، فلقد اخترقت أجهزة الأمن الإسرائيلية، دولاً محصنة أمنياً، ولديها أجهزة وتجهيزات أمنية فائقة القدرة.

وتقريباً في معظم حالات الاغتيال التي نفذها الموساد، استخدمت إسرائيل أشخاصاً يحملون جنسيات أجنبية، ومن تنتمي إليهم تلك الجنسيات كدول، لم يحركوا ساكناً إزاء استخدام آخرين جوازات سفر بلدانهم لارتكاب جرائم تسيء لتلك الدول.

ومعروف أن إسرائيل تسمح لمواطنيها بازدواجية الجنسية، فضلاً عن أن لديها نفوذا أو إمكانيات كبيرة للحصول على جوازات ووثائق رسمية لتسهيل تحرك عملائها، مما يعفيها من اللجوء للتزوير وإن كان ذلك ممكناً أيضاً، ولا تتورع إسرائيل عن فعل ذلك إذا اقتضت الضرورة.

المبحوح الذي اغتالته إسرائيل، كان قد خرج من الأراضي المحتلة قبل عشرين عاماً، أي عام 1989، وهو من مؤسسي كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، وأحد قيادييها، فضلاً عن أن إسرائيل تتهمه بالقيام بعمليات عسكرية خطيرة، قبل خروجه من قطاع غزة.

السلوك الإسرائيلي الذي يتميز بروح الانتقام والثأر، حتى ولو بعد عشرين عاماً، لا يجد له تبريراً سوى تلك العنصرية التي لا تتسامح إزاء الدم اليهودي، ولكنها تختار التوقيت الذي يخدم أهدافاً سياسية أو حربية معينة.

يؤشر اغتيال المبحوح في هذا الوقت بالذات، إلى أن إسرائيل تتجه نحو إشعال حروب في المنطقة بداية من قطاع غزة الذي تواصل عملياتها ضده، رغم حالة الهدوء التي تسود منذ نهاية الحرب الأخيرة على القطاع، كأمر واقع تقرره حسابات حركة حماس التي تسيطر على القطاع.

قبل اغتيال المبحوح بأسابيع قليلة، كانت إسرائيل قد استهدفت في قلب الضاحية الجنوبية في بيروت سيارة تعود إلى قياديين في حركة حماس، والأرجح أنها لن تتوقف عن القيام بكل ما يمكن أن يؤدي إلى استدراج الفلسطينيين لرد يشكل بالنسبة لها ذريعة لتغطية عدوانها على قطاع غزة.

في السياق ذاته، كانت إسرائيل قد أعلنت يوم الاثنين الماضي، عثورها على برميلين من المتفجرات على الشاطئ بين مدينتي أسدود وعسقلان، وبعد ذلك بيومين، أي يوم الأربعاء الماضي، أعلنت عن عثورها على برميل آخر تدعي أنه يأتي في إطار محاولات فلسطينية للقيام بعمليات عسكرية انتقامية كبيرة.

وعدا عن التهديدات المتواصلة التي تصدر عن مسؤولين سياسيين وأمنيين إسرائيليين، تتوعد قطاع غزة وحركة حماس بعملية كبيرة تحت اسم «قطف الورود».

وزير الدفاع إيهود باراك في آخر تصريحاته، أخذ يربط بين استمرار سيطرة حماس في قطاع غزة وبين التعطيل الحاصل لمفاوضات التسوية السياسية، التي تسعى الولايات المتحدة لإحيائها. يحاول باراك التهرب من مسؤولية حكومته عن تعطيل الجهد الأميركي والدولي لإحياء عملية السلام، بإلقاء اللائمة على الفلسطينيين، فمن وجهة نظره لا بد من استئصال حركة حماس، حتى يمكن تذليل عقبة أساسية أمام عملية السلام.

هكذا يبحث باراك عن مبررات إضافية لإقناع العالم بوجاهة عدوانه ضد قطاع غزة، بما أن ذلك يخدم السلام، ويردع من يسميهم المسؤول عن الأمن القومي الأميركي «عملاء إيران» الذين قد تلجأ (إيران) إلى تحريكهم في حال شعرت بتهديد داخلي أو خارجي.

يشير تصريح مسؤول الأمن القومي الأميركي بشكل محدد بالاسم، إلى حركة حماس في قطاع غزة، وحزب الله في جنوب لبنان، وهي إشارة لا تذهب بعيداً عن المؤشرات الإسرائيلية التي تتوعد قطاع غزة ولبنان، بحروب طاحنة.

في الواقع فإن رياح الحرب التي تهب على المنطقة، لا تتوقف عند حدود غزة ولبنان، إذ أجرى الجيش الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي مناورات عسكرية واسعة، للتدرب على حرب واسعة ضد سوريا أيضاً، التي هددها وزير الدفاع إيهود باراك بحرب شاملة.

بعيداً عن التصريحات الإعلامية التي صدرت وتصدر عن قياديين في حركة حماس، وتتوعد إسرائيل بردود مزلزلة على اغتيال المبحوح، فإن ثمة إدراكا عميقا لتجنب القيام بأي عمل من شأنه أن يقدم الذريعة التي تنتظرها الحكومة الإسرائيلية لشن حربها على قطاع غزة.

ويبدو أن هذا الإدراك قد دفع قيادة حماس أيضاً في اتجاه ترطيب وتحسين علاقاتها مع القاهرة، والبحث عن طريقة مناسبة لتحقيق المصالحة الفلسطينية التي تلعب مصر الدور الأساسي في رعايتها.

والحقيقة أنه مهما تأخر الانقسام الفلسطيني ومهما تعمقت جذوره، فإن إسرائيل تثير من التحديات الخطيرة ما يوفر دافعاً قوياً لأطراف الانقسام الفلسطيني، لكي تستعيد وحدتها، وترمم علاقاتها مع المحيط العربي والإقليمي، باعتبار أن ذلك هو الخيار الأفضل لمواجهة هذه التحديات المتزايدة.

وفي الواقع فإن حالة الاستعصاء التي تمر بها الجهود الأميركية والدولية لإحياء عملية السلام، كموضوع استثمار أساسي بالنسبة للإدارة الأميركية، ترجح إمكانية اندلاع حروب تقدم إسرائيل نفسها كمرشحة لخوضها بالأصالة والنيابة، لاستكمال مخططات السيطرة والتحكم على كل مقدرات المنطقة.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com