مرت على العالم في السنوات الأخيرة طفرات اقتصادية ملأت أرصدة الناس في البنوك بالأموال الهائلة، فبرزت على الساحات أسماء أثرياء جدد لم نكن نسمع عنهم من قبل، وأصبحت أرقام، كالمليار، سهلة التداول بين الناس، بعد أن كانت تصنّف على أنها أرقام فلكية.
وفي منطقة الخليج، فاق جريان الأموال بين أيدي الناس جريان المياه في الأودية والسهول، وأصبحت السيارات الفارهة والماركات العالمية، جزءاً أساسياً من حياة الخليجي والخليجية، لدرجة استحواذها على أحاديث المجالس وأروقة المؤسسات، وتصدرها لعناوين الصحف والمجلات.
في تلك الفترة، لم تملك فكرة «التوفير» إلا الانزواء إلى البيوت الفقيرة، لتحل محلها فكرة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب». وفعلا لم تكن غالبية الناس يخافون شح الأموال، لأنهم كانوا يعلمون أن شيئاً ما سيحدث وسيحصلون على نقود، حتى وإن كانت على شكل اقتراض جائر من البنوك، التي تفننت هي الأخرى في زجّ الناس في أوحال ديون ما زالت تلطّخ كثيرا منا، وخصوصاً بعد اندلاع ما يسمى «الأزمة المالية العالمية».
كنت في محطة بنزين قبل سنتين مع أحد الأصدقاء، وبعد أن ملأ العامل خزان السيارة، أعطاه صديقي قيمة البنزين وترك في يديه عشرين درهماً وانصرفنا. ذهلت من تصرّفه الذي لم يكن إلا نتاجاً لثقافة جديدة فرضت نفسها على الغني والفقير معاً، فالمجتمع برمّته يزهو بأموال فائضة، وإن كان معظمها على الورق، وحتى يشعر الفرد بأنه جزء من ذلك المجتمع، فإنه لا يملك إلا أن ينصاع إلى قوانينه وأنظمته الفوضوية، التي من خلالها ينسل الإنسان من روحانية الوجود ونقائه إلى غوغائية الحياة وسطحيّتها، ليصبح الإسراف إحدى قيم ثقافة جديدة أسمّيها «ثقافة الكسب السريع».
عندما أفكّر في الأزمة المالية العالمية، أجد أن إحدى محاسنها هي عودة الناس إلى أرض الواقع، وعودة المفاهيم المالية والاقتصادية إلى مكانها الصحيح، بعد غياب طويل عن الحقيقة. فلقد عانى الاقتصاديون وأساتذة علم الإدارة في السنوات الماضية من اختلال حقائق اقتصادية بسيطة.
ولكن أساسية في المعاملات التجارية، فلم يكن أحد يتوقّع أن يبلغ العائد على الاستثمار في مشروع ما 200% في السنة الأولى، مهما كان تميّز ذلك المشروع، إلا أن إرهاصات الطفرة المالية المربكة جعلت من هذه الأرقام حقيقة، أنكرت كل ما تعلّمناه في الجامعات حول الاستثمار والأعمال.
لقد حوّلت ثقافة الكسب السريع المجتمع الإنساني إلى غابة سوداء، لا تبرز فيها إلا الأنياب الطويلة، ولا تنبت فيها إلا حشائش السافانا التي تشتهر بزحفها الفتّاك على الغابات والأشجار حتى تحلّ محلها. وبين تلك الحشائش تختبئ الوحوش الضارية التي تجد فيها ملجأ مناسباً، للانقضاض على الفرائس المسكينة التي تجوب البريّة بحثاً عن لقمة عيش أو شربة ماء.
لو استمرت تلك الطفرة المالية لبضع سنوات إضافية، لخرج لنا جيل جديد لا يقدّر قيمة الأشياء من حوله ولا يرعى حرمة المال بين يديه، فكان سيخرج لنا جيل أشبه ب«ماري أنطوانيت» زوجة الملك لويس السادس عشر، تلك التي كانت غارقة في ملذّاتها لدرجة أنها ظنّت أن الفرنسيين الفقراء كانوا يمازحونها في الشارع، عندما صرخوا في وجهها جوعاً: «نريد خبزاً.. لا يوجد خبز»، فقالت لهم: «كلوا بسكويت»!
لقد أصبح الجشع إحدى ركائز ثقافة الكسب السريع، وتحول إلى صفة «حسنة» ملازمة لنجاح الأفراد في الحياة، حتى غدا من الصعب التفريق بين اللص والشخص الجشِع.
الفرق بينهما أن اللص يسرق في الخفاء، أما الجشِع فإنه يسرق في العلن. في تلك الثقافة، انحسرت المحبة بين الناس لتعشش المصالح بينهم، فإذا رنّ هاتف أحدهم فإنه يجيبه في حالة واحدة فقط، وهي أن تكون له مصلحة ما عند ذلك المتّصل.
لقد كان الناس قديماً يحبون بعضهم كأسرة واحدة، وكانوا يُفرِغون من أوقاتهم جزءاً لأحبائهم، لأنهم لا يملكون إلا الحب يعطوه للآخرين، ولا يطلبون غير الحب جزاءً أيضاً. لقد كان الناس في تواصلهم وتراحمهم وحبّهم لبعضهم البعض، كقول العابد الزاهد السّري بن مغلس السَفَطي: «لا تصح المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر يا أنا»، أما ثقافة الكسب السريع فلا تصح الحياة فيها حتى يقول الواحد للآخر: «أنا وبس».
على الرغم مما يعانيه العالم من تداعيات الأزمة المالية، فإن محاسنها الاجتماعية قد تفوق مآزقها الاقتصادية، فلقد خسرنا المال ووجدنا الصديق، وخسرنا الاستثمار وكسبنا المحبة، وخسرنا لقمة ووجدنا شريكاً، والأجمل من كل ذلك، أننا خسرنا المادة لنجد الروح التي يحيا بها كل شيء.
فشكراً للأزمة المالية العالمية التي علّمتنا أن الإنسان جسد وروح، بتوازنهما فقط، نرى النور ونمتد على أشعته، لنلامس الحرية ونتحرر من أغلال أجسادنا الأرضية، لنتحّد مع أرواحنا السماوية التي تسمو عن عبودية الأرض بعبودية السماء.
كاتب إماراتي