كل ما زاد عن الحد انقلب إلى الضد، قول معروف ومحفور في ذاكرة كل واحد منا، ولكن مشكلتنا في كثير من الأحيان ليست في المعرفة النظرية، بل في التطبيق العملي لما نعرفه نظريًا، وإلا.. ما الذي يجعلنا نكاد نبدل أنفسنا كل حين تبديلا جذريًا ـ على المستوى الشكلي غالبًا ـ إلى الدرجة التي تجعلنا لا نعرف أنفسنا حين ننظر في صورنا القديمة، لكثرة ما غيّرنا في أشكالنا جريًا وراء رغبات تتوزع بين الداخل والخارج!

الرغبة في التغيير والتجديد سمة بشرية فطرية، ومن الطبيعي أن توجد هذه الرغبة لدى أي واحد منا، لكن من غير الطبيعي أن تتحول إلى هاجس ملحّ.. أو صوت دائم قد ينخفض أحيانا، ولكنه موجود بشكل دائم في دواخلنا، يطالبنا بأن نغير ونغير ونغير كل يوم شيئا في أنفسنا، حتى أصبحنا لا نكاد نستقر على حال واحدة، ولا نشعر بالرضا عن أنفسنا.

المشكلة أننا نركز عدسات التغيير على الشكليات فقط، ونهمل الجوهر، عيوبنا الأخلاقية، أو السلوكية، أو النفسية لا نهتم بتغييرها، ولا تكاد تشغل وقتنا وتفكيرنا كما يشغله موضوع تغيير قصات الشعر مثلا، أو لونه، أو الملابس أو النظارة، أو الهاتف أو غير ذلك.

وهذا الموضوع ليس مقصورًا على النساء وحدهن، بل إن الرجال يكادون ينافسون النساء أحيانًا في هذا، لأن مطلب التغيير كما ذكرت هو حاجة بشرية لا علاقة لها بالجنس، لكن تقنين هذه الحاجة أو توجيهها الوجهة الصحيحة، أمر مهم حتى لا تقضي علينا الشكليات، وتقتل وقتنا وجهدنا، وتصبح أقصى اهتماماتنا.

قد تتحول هذه الحاجة إلى مرض، وأغلب الظن أن ذلك يحدث عند من يعانون من أوقات فراغ قاتلة، تدفعهم إلى القضاء عليها ـ لا إراديا ربما ـ على هذا النحو. هذا تفسير شخصي غير مبني على دراسات أو إحصائيات، لكنه نتيجة مشاهدات متكررة، ورصد لكثير من اللقطات التي لا تحتمل إلا هذا التفسير أو تفسيرات أخرى قريبة منه، كالرغبة في لفت الانتباه، أو التمرد على وضع ما، مثلا.

وبصورة عامة، أظن أننا أصبحنا أكثر ضعفا أمام إغراء الإعلانات التجارية التي أصبحت تتعامل معنا بلغة أكثر احترافية، وأصبحت تعرف أكثر من أي وقت مضى من أين تؤكل الكتف، كل هذا يدفعنا دفعا نحو الاستجابة لذلك الهاجس الفطري الملحّ داخل كل منا.. هاجس التغيير.

ليس هذا فقط، بل إننا أصبحنا أكثر نقدًا لمن حولنا ممن لا يستجيبون لهذا الصوت، ولا يركبون هذه الموجة، فهم في نظرنا إما تقليديون جدا، أو اقتصاديون أكثر مما ينبغي، أو ربما محدودو الأفق ضيقو النظرة، لا يستطيعون أن ينتقلوا من الحال التي هم عليها إلى حال أخرى، لأن تقليديتهم تحول بينهم وبين ذلك، وتزين لهم البقاء كما هم، وتهول عليهم أمر التغيير والتجديد، أو لأنهم يرضخون لأوامر الوازع الاقتصادي.

ويحسبون حساب كل درهم يصرفونه، فهم في نظرنا أناس تحركهم النقود، وليسوا هم من يحركونها! أو ربما لأن ضيق أفقهم يجعلهم غير مدركين لأهمية مواكبة الموضة واللحاق بالركب العام السائر في درب التغيير، هذا الدرب الذي قد تكون له نقطة بداية، لكن لا توجد له نقطة نهاية واضحة أو محددة.

وربما لا توجد نقطة نهاية على الإطلاق، ومحطاته كثيرة ومتلاحقة، لكن لا توجد محطات للاستراحة وإعادة التفكير إلا بشكل قليل ومتفرق، وهي في معظمها شبه فارغة، لا يتوقف عندها أحد، لأن الكل مشغول بالصوت الداخلي والأصوات الخارجية المساعدة، وحريص على الاستجابة له والامتثال لأوامره بإخلاص شديد.

ترتب على هذا كله أننا لم نعد نشعر بمذاق الأشياء، فلكثرة ما جربنا وغيّرنا أصبح كل شيء يشبه بعضه، وأصبحنا دون ملامح حقيقية، وأصبحت كل الأشياء الجديدة قديمة في إحساسنا بها، حتى ما يُطرح أمامنا لأول مرة! أصبحنا نشعر بالألفة المخيّبة تجاه كل جديد يُعرض علينا، كأننا عرفنا وجربنا كل ما يمكن أن نعرفه ونجربه.. فقدنا لذة الإحساس بالجدة، ونكاد نفقد إحساسنا بأنفسنا!

نحتاج الآن أن نعطي أنفسنا وقتًا للراحة.. أن نصبر على حال واحدة.. أن نحافظ على شكلنا وذوقنا ثابتا لمدة معقولة، قبل أن نطلق أقدامنا نحو التغيير مجددا.. علينا أن نترك أنفسنا إلى أن تشعر بالملل من حال، ثم نسمح لها بعد ذلك بأن تنتقل إلى حال أخرى..

أما أن نقفز قفزات بهلوانية من شكل لآخر، ومن نمط معيشي إلى غيره، دون أن نستغرق في كل شكل ونمط ونعيشه بكل تفاصيله، ونصل درجة التشبع منه، فهذا لن يمنحنا إلا الإحساس بعدم الاستمتاع، وعدم الراحة، وهو عكس الهدف الذي يسعى إليه كل منا، ويدفع في سبيل الوصول إليه وتحقيقه مبالغ طائلة.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com