المصالحة كمألوف سياسي لبناني

المصالحة كمألوف سياسي لبناني

ليس أسهل على اللبنانيين من نحت المصطلحات وتداولها. فسنرى في اختبارات الحروب الأهلية، والأزمات السياسية المتعاقبة، ما لا حصر له من الشواهد. حتى ليكاد الحقل اللبناني يتحول إلى مساحة نموذجية لاستنبات المفاهيم السياسية، على أنواعها وصنوفها المختلفة.

فلو كان لنا أن نضع للحقبة اللبنانية الحالية عنوانها الأنسب، لوجدناه على سبيل المثال في مفردة ذات دلالة أخلاقية وسياسية في آن، هي «المصالحة». هذه المفردة سوف تصبح في قليل من الوقت مصطلحاً شائعاً، ينطوي على جاذبية فريدة في اللغة السياسية اللبنانية. فسنرى بالمعاينة اليومية كيف يتصدَّر هذا المصطلح خطاب الأطراف اللبنانيين على الجملة.

ولئن كانت لمفردة المصالحة عناوين وقواعد مفهومية عامة في تاريخ الفكر السياسي، فإنها في لبنان تكتسب صفة خاصة. فهي ليست مفردة جديدة وطارئة على الحياة السياسية، ولا سيما في زمن الأزمات الحادة، وإنما هي راسخة في تموُّجات الخطاب السياسي، المتواصل في لبنان.

ذلك ما نشهده اليوم على نحو شديد الوضوح، في ما تزخر به الحياة السياسية من حركة محمومة في اتجاه التوافق والمصالحات. فقد درج اللبنانيون على استعمال كلمة «المصالحة» أو عبارة «المصالحة الوطنية»، وهم مستغرقون في حميَّ المنازعات الأهلية المسلحة. لهذا سنرى كيف نشأت مفردة «المصالحة» وشاعت بقوة، منذ بداية الحرب الأهلية عام 1975.

فلو عدنا بالذاكرة إلى تلك الفترة، لوجدنا أن ما اصطلح على تسميته بـ «حرب السنتين» كانت الفترة الأكثر خصوبة لرواج المصطلح. في حين لم ينحصر استعماله بفئة دون سواها؛ حيث اشتملت عليه المخاطبات اليومية بين القيادات السياسية للأحزاب اللبنانية كافة، فضلاً عن الزعامات الدينية من كل المذاهب والطوائف.

ما المصالحة؟ وما دلالتها البيانية والمعرفية؟

داخل حقول الاستعمالات، تظهر «المصالحة» الدلالتين اللغوية والمعنوية على نصاب واحد. وهي في غالب الأحوال تتموضع ضمن حالة اتحادية لا تنفصم عراها. في اللغة، نجد أن كلمة المصالحة تنتمي إلى عائلة الكلمات التالية: الصلح، الصلاح، الصالح، المصلحة والإصلاح.

وأما في الواقع فإن هذا لا يعني أن «المصالحة» ترادف إحدى هذه الكلمات، أو أنها متفرعة المعنى عنها. لكن خيطاً رفيعاً يظل يربط بين الدلالة اللغوية للمصطلح، ودلالته المعنوية. يمكن أن نشير هنا الى أن مفهوم المصالحة يتقاطع مع ما يُستدل عليه من هذه الكلمات، ويحمل بالتالي شيئاً من معانيها.

فالمصالحة في قوامها الأساسي صلح بين شخص وشخص، أو بين جماعة وجماعة، أو بين شخص وجماعة، ولكنها ليست صلحاً وحسب. فقد يقوم صلح ولا تكون مصالحة. وعلى سبيل التمثيل، فإن حرباً بين دولتين قد تنتهي بإقامة صلح بينهما، لكن الرحلة قد تتوقف عند حد معين، من دون ان تدخل العلاقات بينهما طور المصالحة الفعلية.

في الحروب الأهلية الداخلية تبرز حالات متباينة، ومخالفة للحروب بين دولتين أو بين مجموعتين دوليتين. فحسم الخلاف بين الدول يقتضي إنهاء الحرب، وعودة السلام بموجب اتفاق تعاقدي يسمى «معاهدة الصلح». ولكن قد تُعقد معاهدة الصلح من دون أن يسبقها توقيع الهدنة، بحيث تنتهي حالة الحرب فور توقف القتال.

في الحروب الأهلية يختلف الأمر، إذ لا مبرر لإبرام الصكوك والمعاهدات، لأن الصراع والاحتراب يجريان بين متنازعين داخل المجتمع الأهلي الواحد. في اختبارات الحرب الأهلية اللبنانية المتواترة، لم تخلُ فترة من شيوع مفهوم المصالحة. ولأن الدعوة إليها غالباً ما كانت تتزامن وعمليات سياسية للتمهيد لحوار وطني شامل، فقد غدت أطروحة المصالحة، بهذا المعنى، قرينة مفهوم الوفاق الذي يفترض أن يستولده الحوار المفتوح.

في التجربة السياسية للمصالحة التي بدأت في السبعينات اللبنانية الدامية، ولا تزال سارية إلى اليوم، ما يؤرخ لتلازم دعوتين إلى الحوار والوفاق، مع الدعوة إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة.

من دون هذا التلازم ـ كما رأينا ـ بقيت الدعوة إلى المصالحات الوطنية أشبه بالرجاء الذي يتسامى إلى عالم المُثُل، وليس لعالم السياسة منه حظ. ذلك أن المصالحة لم تقترن بالتطبيع الميداني للعلاقات بين الطوائف والأحزاب، ولا هي شقَّت سبيلها إلى وحدة وطنية جامعة.

ربما لأنها ظلت أسيرة نطاق المخاطبات اللفظية، من دون أن يدرك أصحاب الدعوة، ولا سيما منهم ذوو النيات الحسنة، حقيقة أن محركات العنف الأهلي ليست شأناً داخلياً محضاً، وإنما هي عنف مركب المصادر، يغتذي، ويدوم، ويستعر، من ديناميات خارجية إقليمية ودولية.

ففي تجربة الحرب بأحقابها المختلفة، لم تكن الأطراف اللبنانية وحدها المعنية بتوفير شروط المصالحة. فهذه كانت تستلزم تعيين الأطراف الحقيقية التي يقوم بينها الخلاف، وبالتالي مدى قدرتها الفعلية على معالجة الخلاف واتخاذ قرار الخروج منه. فإذا كان احد هذه الأطراف لا يتمتع بحرية كافية للدخول في عملية المصالحة، والالتزام بنتائجها لارتباطات ومؤثرات معينة، فإن عوامل استمرار الخلاف تبقى أقوى من إمكانات إنهائه.

على هذه القاعدة الوصفية ظلت الأحوال اللبنانية خلال الحرب، وهي لمّا تزل محكومة بالمعايير نفسها. الأمر الذي يُدخل المصالحة في سياق تسلسلي تنتظم فيه كل مقومات المصالحة الحقيقية: مع الذات أولا، بما يعني أن تحقُّق المصالحة لا بد له من أن يشعر المتنازعون بأن لهم في تلك المصالحة مصلحة، وأن يجد كل فريق منهم فائدة فعلية على المدَيَيْن القريب والبعيد.

يتصالح اللبنانيون اليوم، وهم على قلق مقيم. ذلك أن ما تفصح عنه الصورة الراهنة، هو أدنى إلى ما يشبه أنصاف المصالحات. فهي في أحسن أحوالها ناتج مفاعيل محيطة بلبنان، وهي لم تنجز بعد سوى الطور الابتدائي للوئام الداخلي. مع ذلك فليس لنا نحن اللبنانيين غير الاعتصام بحبل التفاؤل، عسى أن يكتمل العقد بالعقل، فلقد مرَّ بنا من «صنوف الفتنة» ما ينبغي أن يجنبنا سوء الخاتمة.

باحث ورئيس تحرير «مدارات غربية»

mahmoudhaidar327@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات