في الآونة الأخيرة اندلع نقاش واسع بين القوى السياسية اللبنانية وهيئات المجتمع المدني، طاول مسألة تخفيض سّن الاقتراع في الانتخابات البلدية المقبلة المقررة في شهر مايو من سن الـ21 عاما إلى سن 18 عاما. وقد كرر رئيس مجلس النواب نبيه بري التزامه بهذا الاقتراع والدفع في سبيل إقراره.
الموضوع الذي يبدو في ظاهره شكلياً وإجرائياً، طرح مرة جديدة مسألة التوازن الديمغرافي بين المسلمين والمسيحيين في البلاد كلها.
الأحزاب والتيارات المسيحية جميعها، سواء تلك التي تنتمي إلى 8 آذار كالعماد ميشال عون، أو التي تنتمي إلى 14 آذار كالرئيس أمين الجميل «والقوات اللبنانية»، أجمعت على الاعتراض على تخفيض سن الاقتراع، إلا إذا جرى السماح للمغتربين اللبنانيين بالتصويت، وإنهاء مسألة استرجاع الجنسية للذين فقدوها.
الثنائي الشيعي ممثلا ب«حزب الله» وحركة «أمل» أيد اقتراح تخفيض سن الاقتراع، فيما التزم « تيار المستقبل» (تيار الرئيس رفيق الحريري) موقف التحفظ، والإصرار على توافق لبناني عام حول المشروع شرطاً للموافقة. رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقوى سياسية مستقلة، اشترطت أيضا أن يحصل إجماع وطني على المشروع أو يتم تنفيذه في الانتخابات المقبلة عام 2010.
ما أشعل النقاش هو ظهور دراسة إحصائية جديدة، تظهر أن الفئة العمرية بين 18 و 21 عاما التي سيحق لها التصويت في حال إقرار المشروع، تعاني اختلالا ديمغرافيا كبيراً (75 في المئة من المسلمين، مقابل 25 في المئة من المسيحيين)، الأمر الذي أثار مخاوف لدى الأحزاب المسيحية شعبياً من زيادة الاختلال السكاني القائم اصلاً.
فما هو تاريخ المسألة الديمغرافية في لبنان الحديث؟ في «لبنان المتصرفية» أو جبل لبنان أو لبنان الصغير (بين 1860 و1920)، كانت الغلبة الديمغرافية الكبيرة لصالح المسيحيين الذين كانوا يشكلون 90% من السكان.
ولكن، بعد انضمام أقضية الشمال والجنوب والبقاع إلى جبل لبنان، وتكوين لبنان الكبير بحدوده الحالية (سنة 1920)، انخفضت نسبة المسيحيين من 90% من السكان إلى 55%، باعتبار أن النسبة الساحقة من أبناء هذه الاقضية كانت من المسلمين.
ومعلوم أن آخر إحصاء رسمي اجري للسكان، تم عام 1932، وأظهر هذه الارجحية المسيحية الطفيفة. لكن الهيئات الإسلامية اعترضت على صحة هذا الإحصاء، باعتبار أن نسبة كبيرة من المسلمين لم تشارك فيه، وامتنعت عن الاعتراف بلبنان الكبير الذي رسم الانتداب الفرنسي حدوده الجغرافية.
إذن، من ما قبل الاستقلال، ومسألة تعداد السكان تثير إشكالات كبرى.
في اتفاق الطائف عام 1989، جرى الاتفاق على اعتماد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، في الوظائف الرئيسية وفي جميع المؤسسات الدستورية، بغض النظر عن نسبة السكان ديمغرافيا. وما زال هذا التقليد ساريا حتى اليوم: المناصفة هي القاعدة، ولو تضاءل عدد المسيحيين بسبب الهجرة المتنامية في صفوفهم.
لكن مسألة العدد ما زالت هاجسا طاغيا لدى المسيحيين، الذين يعلمون أن نسبتهم السكانية لم تعد تتجاوز 30 أو 35% من عموم السكان. لذلك تبدي القيادات المسيحية حذراً استثنائيا من أي قانون يزيد من نسبة المسلمين في الاقتراع، إلا إذا أقر تصويت المغتربين اللبنانيين الذين يشكل المسيحيون غالبيتهم الساحقة.
إلى أين يمكن أن تمضي هذه المعضلة؟ هل يبقى لبنان رهينة الخوف من الإحصاء كيلا يتأكد هذا الاختلال السكاني المتزايد؟
في الواقع يعتبر العقلاء من جميع الطوائف، أن لا حل لهذا القلق من الاختلالات السكانية إلا بإلغاء الطائفية السياسية كليا، حتى لا تبقى البلاد على قلق وتوجس متبادل بين الطوائف.
فالاختلال لصالح المسلمين عدديا سيتزايد حكما، بسبب التفاوت في نسبة الإنجاب مع العائلات المسيحية، وبسبب الهجرة المسيحية الكثيفة. لذلك لا معنى لإرجاء المسألة أو المراهنة على الزمن لإيجاد حل لها.
لكن القوى السياسية المسيحية تنهض في وجه مشروع إلغاء الطائفة السياسية، وتصر على أن يتم إقرار اللامركزية الإدارية الموسعة، وإنشاء مجلس شيوخ للطوائف إلى جانب مجلس النواب مقابل إلغاء الطائفية السياسية. كما تصر على الفصل الكامل بين الدين والدولة، وإقرار تشريع مدني ملزم للأحوال الشخصية، عوض التشريعات الدينية المعمول بها حتى اليوم.
إنها معضلة البلدان ذات التنوع الديني، حين لا تتوافق على نظام سياسي يرعى هذا التنوع.
كاتب لبناني