شكل الإنسان قطب الرحى ومحور الارتكاز في رؤية القيادة السياسية لدولتنا الفتية، مما دفعها إلى تسخير كافة السبل لبنائه والاهتمام به والاستثمار فيه، والشاهد ما قاله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، من أن الإنسان هو الثروة الحقيقية لهذا البلد قبل النفط وبعده، وأن بناء الإنسان يختلف عن كل عمليات البناء الأخرى، لأنه الركيزة الأساسية لعملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية الشاملة، وبقدر ما يكون هناك اهتمام بالعنصر البشري وتكوينه وتأهيله، يكون الغد مشرقا.
وأكد ذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، منذ أيام قلائل حين قال: الأولوية للإنسان.
هذه الكلمات الجامعة تؤطر سياسة دولة الإمارات وقناعات القيادة التي لم تقف عند حد القول، لكنها مثلت واقعا معاشا قامت دولة الإمارات من خلاله بجهد كبير وما زالت، في مجال حماية ودعم حقوق الإنسان، والتي تمثلت في توفير الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي، والارتقاء بمستوى التعليم، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن.
وتمكين المرأة وتوسيع مشاركتها على كل الأصعدة، وتفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي كجهة رقابية، بالإضافة إلى حزمة التعديلات الدستورية التي وسعت من صلاحياته، ودعم مشاركة المواطنين في الحياة السياسية، وتعميق الممارسة الديمقراطية من خلال انتخاب نصف أعضائه الأربعين.
وتأكيد استقلال القضاء الذي نص دستور البلاد عليه، وأن العدل أساس الملك وأن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في أداء واجبهم غير القانون وضمائرهم، وطبقا للمادة 25 من الدستور فإن جميع الأفراد أمام القانون سواء، وإنه لا تمييز بين المواطنين بسبب الأصل أو الموطن أو العقيدة أو المركز الاجتماعي.
كما أكد الدستور على ضمان المساواة والعدالة الاجتماعية، وكفالة حرية الفرد وحظر التعذيب والاعتقال والحبس التعسفي، وضمان الحريات المدنية، والتي تشمل حرية التعبير بكافة أشكالها وحرية العقيدة والتجمعات السلمية.
وفي هذا الاتجاه لم تفرق الإمارات بين مواطن ومقيم على أرضها، حيث التزمت طوعيا باتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، مثل اتفاقية العمل الجبري والمساواة في الأجور وعمل الأطفال وغيرها.
والقائمة طويلة في ما قامت به دولة الإمارات في مجال حقوق الإنسان، والتقارير الواردة من العديد من الهيئات الدولية ذات الصلة، تدل على الاعتراف الدولي بالجهود التي تقوم بها الإمارات للارتقاء بحقوق الإنسان، وجديتها في تطويرها يوما بعد يوم.. لكنني أود هنا أن أضع بعض النقاط التي أجد من الأهمية النظر إليها بعين الفحص والتدقيق..
أولا: إن اهتمام الإمارات بملف حقوق الإنسان، نابع من إيمانها بأهميته وعدالته، بل وبأنه جزء لا يتجزأ من ركائز الحكم واستراتيجية الدولة، دأبت عليه منذ عقود، بل من الممكن أن نعتبر أنه عنوان جديد لموضوع قديم وضعته الدولة نصب أعينها قبل غيرها بزمن.
ثانيا: أن التقارير التي يصدرها بعض المنظمات الحقوقية مثل «هيومان رايتس ووتش» وغيرها، في أغلبها تقارير مكتبية ليست لها صلة بالواقع، وتختلط فيها الموضوعية بالأيديولوجيات السياسية، بل إنها أحيانا تكون تقارير معلبة، يعاد تنقيحها من حين لآخر لتصبح سيفا مشهرا في وجوه بعض الدول دون غيرها، بل إن خلفيات هذه المنظمات ليست بريئة في كل الأحوال، ولديها أكثر من مكيال.
وإلا فأين هذه المنظمات من حقوق الإنسان في فلسطين والتي وصلت إلى حد إبادة شعب بأكمله؟ كما أن الدول التي تتخذ هذه المنظمات منها مركزا لها، قد تكون أحوج ما يكون إلى الاعتناء بشأن حقوق الإنسان!
ثالثا: على الرغم من أن مبادئ حقوق الإنسان هي مبادئ نبيلة نسعى جميعا للحاق بركبها، إلا أنه ليست هنا وصفة جاهزة يمكن تطبيقها على كل شعوب الدنيا، دون مراعاة لقيم وتقاليد وثقافة هذه الشعوب عن غيرها.
وأضرب مثلا في ما يتعلق بالحريات المدنية، مثل مبدأ حرية الفكر، إذ لا يختلف عليه أحد من حيث المبدأ، لكننا لا نسمح بازدراء الأديان والتهجم على الرسل والمقدسات تحت مسمى حرية الفكر والإبداع.
وكذلك في ما يتعلق بحرية التعبير في وسائل الإعلام المختلفة، مع إيماننا المطلق بها، إلا أننا في الوقت ذاته نرفض انتهاك خصوصية الأفراد والتشهير بهم تحت مسمى حرية التعبير، بل إن وسائل الإعلام في بلادنا لها دور يختلف عن غيرها من الدول، فلا نقبل أن تسعى وسائل إعلامنا لإعطاء الجمهور ما يريده فقط، بل عليها إعطاؤه كذلك ما يحتاجه، وألا تتعامل مع جمهورها كزبائن، ولكن كمواطنين لهم حقوق.
ومن هنا فإن مراعاة ثوابت وتاريخ وثقافة كل دولة، مكون أساس من مكونات حقوق الإنسان، مهما كانت مبادئها براقة في ظاهرها.. فليس كل ما يلمع ذهبا.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا