ليس هناك تشريع أو نظام، يختصر أو يحدد أعمال ودور مجالس الادارة أو مجالس المديرين، للمؤسسات التجارية العامة التي فيها عدة شركاء، أو يتقاسم ملكيتها عدد من الشركاء (مقالنا المنشور في «البيان» في عددها (10806) يوم الاثنين بعنوان «تفعيل مجالس الإدارة.. والجمعيات العمومية»).

وفق إجراءات معينة خاصة بالشركات التي تمثلها هذه المجالس، بل يتوقف ذلك على ظروف العمل المؤسسي، وحاجة المجتمع إلى وجود رقابة مستقلة عن الادارة العامة لأية مؤسسة ينشأ لها مجلس الادارة أو مجلس المديرين..

كذلك يتوقف ذلك على ظروف الحكومات التي عادة ما تلجأ الى هذا النوع من الاسلوب الاداري، بغية طمأنة الناس الى وجود رقابة لا تدع لمديري المؤسسة أو رؤسائها أن ينفردوا بالسلطة المطلقة للقرار، ويجعلون من أنفسهم سلطة داخل سلطة..

كما هي الخشية من المؤسسات التجارية المالية التي قد ينزع مديرها منزع الانفرادية في غياب الرقابة من مجالس إداراتها، ويدفعون بالمؤسسات التي يديرونها الى الكارثة والافلاس، مثلما يحدث أمام أعيننا في كل يوم في بقاع وأصقاع من العالم يفترض أن تكون المؤسساتية هي الغالبة وهي المهيمنة على ادارة مؤسساتها..

ولماذا نذهب بعيداً، ولا نتذكر ما جرى لنا هنا في الإمارات.. ونذكّر أنفسنا ونذكر غيرنا، لعل الذكرى تنفع المؤمنين والغافلين! أننسى كوارث عقد الثمانينات من القرن الماضي؟!

وكيف آلت حال عدد من بنوكنا وشركاتنا المالية في دبي الى الارتكاس.. ولولا الموقف الحازم والفوري والايجابي الذي وقفته حكومة دبي آنذاك، واستحوذت على هذه المؤسسات الفاشلة وضمنت وصرفت للمساهمين حقوقهم، انقاذاً لسمعة البلد وتجارته، لطاردتنا الويلات.

ولم نكن لنشاهد التنمية التي جاءت في التسعينات وما بعدها، والتي محت كل أثر من آثار تلك المصائب وما تلاها من تجاوزات، كتلك التي جاء بها في واقع الأمر إهمال دور المراقبة ووجود فئة ضعيفة الشخصية في مجالس الإدارة، تخشى من قول «لا» للباطل عندما تستدعي المصلحة العامه قوله بصوت عالٍ.

وليس من قبيل إلقاء الكلام على عواهنة، التأكيد في القول إن ما من مؤسسة تجارية أو اجتماعية عامة تجتمع فيها مصالح جمع من الناس، تكون فيها الرقابة الادارية واعية لدورها، ويكون مديروها مدركين لأهمية دور الرقابة والالتزام باحترام هذا الدور، إلا ونجد لهذه المؤسسة النمو والاطراد المستدام والنتائج الحسنة..

وبعكس ذلك تماما تكون المؤسسات التي تغيب عنها الرقابة، ولا يكون لها مجلس مراقبة أو مجلس ادارة، أو لها مجالس اسمية لا تسمن ولا تغني من جوع... يؤول أمرها، أي أمر المؤسسات التي ليست عليها رقابة، عاجلا أم آجلا إلى التراجع والانكماش ثم الى الفساد الاداري..

وليس من الانصاف أن نتهم كل المؤسسات ذات الادارة غير المراقبة، بالسوء.. فهناك أفراد اداريون في مستوى عال من الكفاءة والنزاهة، ولدورهم التأثير الكبير في ما وصلت اليه مؤسساتهم من علو وشأن، ولكن مثل هؤلاء لا أظن أنهم يخشون من الرقابة، لأنهم مستقيمون ولا يمشون في طرق معوجة..

ويدركون أن الرقابة النظيفة سوف تساعدهم على انجاز أعمالهم واداراتها ادارة حسنة، وأن الرقابة أيضا هي عون لهم أمام الرأي العام لإثبات أنهم بعيدون عن كل شائبة. وفي رأيي أن من يخشى الرقابة ويريد أن يلتف عليها ويضيق صدره بما تبديه الرقابة من ملاحظات، مثل هذا الشخص ينوي الاصطياد في الماء العكر!..

وهنا لا بد من تكرار القول بأن الاعتماد على المؤسساتية وخلق كوادر رقابية مؤهلة ونظيفة، تراقب وتشكل هيئات رقابية تشرف على ما يجري في الشركات العامة، أمر في غاية الضرورة، وهذه الهيئة هي خير عون للقيادة في خططها للوصول الى الافضل.. وللعلم فإن دبي سباقة الى تكوين مثل هذه المجالس لعدد من المؤسسات الحكومية والتجارية، وسوف نتحدث عن هذه المجالس في مناسبة أخرى، إن شاء الله..

كاتب إماراتي

agh@corys.ae