تصريحات وزير الدفاع البولندي بوغدان كليخ، والتي كشف فيها عن أن بطارية صواريخ «باتريوت» الأميركية لن تنشر في ضواحي وارسو كما كان مقررا سابقا، بل على مشارف مدينة مورونغ، وهي بلدة صغيرة في شمال شرق بولندا تقع على بعد 100 كلم من الحدود الروسية، كان لا بد أن تثير ضجة سياسية، باعتبار أن هذا القرار أصبح يمس الأمن القومي الروسي. وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الروسية عبرت عن احترام موسكو للسيادة البولندية.

وكما جاء على لسان سيرغي لافروف وزير الخارجية، اعتبرت موسكو أن نصب صواريخ «باتريوت» الأميركية في الأراضي البولندية شأن يخص بولندا والولايات المتحدة، إلا أن الأمر يحتاج كما أشار لافروف إلى إيضاحات يجب أن تقدمها وارسو وواشنطن، حول أسباب اختيار مدينة مورونغ القريبة من الحدود الروسية، ودوافع تحصين بولندا ضد روسيا.

من المعروف أن الولايات المتحدة وبولندا اتفقتا على نصب صواريخ «باتريوت» في الأراضي البولندية قبل أعوام، كخطوة في إطار مخطط نشر نظام الدفاع المضاد للصواريخ الأميركي في بولندا، بهدف حماية المنظومة الصاروخية الأميركية. وبعد أن قرر الرئيس الأميركي باراك أوباما إلغاء خطة نشر الدرع الصاروخية في بولندا خريف عام 2009، أصبح غير مفهوم عدم تراجع واشنطن عن خطة نشر هذه الصواريخ في بولندا.

وعلى الرغم من أن موسكو لا تشعر بالقلق من نشر هذه الصواريخ، إذ أعلن العديد من الخبراء العسكريين الروس أنها لا تشكل خطرا يستدعي تعزيز القوات الروسية المرابطة في منطقة كالينينغراد بمزيد من الصواريخ، خاصة أن الصعوبات التي واجهتها صواريخ «باتريوت» في اعتراض صواريخ «سكود» العراقية القديمة في حرب «عاصفة الصحراء»، كشفت أن صواريخ «باتريوت» غير قادرة من الناحية التقنية على اعتراض الصواريخ الروسية. ولكن موسكو ترى ضرورة إدراج هذا الموضوع على قائمة المواضيع التي تتناولها المباحثات الروسية الأميركية.

لا شك أن هذه الإجراءات تتعارض مع مساعي روسيا لتطوير العلاقات مع بولندا وحلف الناتو، على أساس الثقة والمراعاة المتبادلة لمصالح كل طرف، وتعكس تنامي نفوذ الاتجاهات المعادية لروسيا، ليس فقط في بولندا، وإنما داخل الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما.

ولا بد أن نسترجع مواقف الحكومة البولندية خلال السنوات الماضية تجاه روسيا، فبسبب النزعة المعادية لروسيا تمكنت وارسو من تجميد توقيع معاهدة التعاون والشراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، بحجة إصدار موسكو لقرار بمنع استيراد اللحوم البولندية، إضافة لتفاقم الخلاف بين وارسو وموسكو مع بداية تشييد أنبوب خط الشمال الأوروبي، الذي سيتم عبره نقل الغاز إلى أوروبا دون المرور بأراضي بولندا وأوكرانيا، ما يعني أن بولندا لها مصلحة مباشرة في الضغط على روسيا لاستعادة ما خسرته من سياسات روسيا الاقتصادية.

ولكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحملة التي ترافقت مع تولي أوباما الرئاسة في الولايات المتحدة، وخطابات الرئيس الجديد، التي سعت لتقديم الولايات المتحدة برؤية جديدة تحرص على الحوار والتفاهم، وتعمل على التقارب مع مختلف أطراف المجتمع الدولي، ومراعاة مصالح بقية الدول، سنجد أن قرار واشنطن غير مفهوم، ولا ينسجم مع هذه السياسات. ما يضعنا أمام خيارين..

الأول هو أن إدارة أوباما غير جادة، وربما فاقدة للمصداقية في ما يخص الرؤية الجديدة لاتجاهات السياسة الأميركية، والتي حرصت على الترويج لها. أما الخيار الثاني فهو أن الاتجاهات المتشددة في البيت الأبيض الأميركي بدأت تستعيد نفوذها، وتحاصر فريق أوباما وتضعف مواقعه في السلطة. وعلى أية حال فإن روسيا ستضطر لاتخاذ موقف، بصرف النظر عن هذا الاحتمال أو ذاك، انطلاقا من حرص موسكو على حماية الأمن القومي الروسي.

إن الخطوات التي يمكن أن تتخذها روسيا للرد على نشر صواريخ «باتريوت» على أراضي بولندا بالقرب من الحدود الروسية، لا تقتصر فقط على إجراءات عسكرية، مثل تزويد أسطول بحر البلطيق بمزيد من الصواريخ الجوالة البعيدة المدى والدقيقة التصويب، والتي من شأنها أن تزيد من حدة التوتر في المنطقة، وإنما يمكن أن تكون سياسية تفرض على بقية الأطراف إعادة النظر في سياساتها التي تعبر عن سيادة النزعات المعادية لروسيا، والتي تسعى لتصعيد حدة التوتر العالمي.

كاتب روسي

maze nabb59@hotmail.com