وقع بين يدي من ضمن الكتب التي اقتنيتها في معرض الكتاب في الشارقة، كتابان عن تاريخ المنطقة، يحمل أحدهما عنوان: «عن التاريخ المعاصر لشبه الجزيرة العربية» لرحالة ومستشرق ومؤرخ ألماني يدعى لويس موزيل، والآخر: «رحلة إلى مسقط» كذلك لرحالة ومؤرخ ألماني ويدعى ماكس أوبنهايم، وكلا الكتابين من منشورات الوراق.
وليست لي دراية كافية باهتمام الشعب الألماني بتاريخ المنطقة. فقد كان الهولنديون والبرتغاليون والإنجليز وبعض الشيء الفرنسيون، هم أكثر شعوب أوروبا تدخلا في تاريخ شبه الجزيرة العربية، خاصة في القرن التاسع عشر. المؤلفان كلاهما عاشا في القرن التاسع عشر وتوفيا في منتصف القرن العشرين.
فموزيل ولد عام 1868 وتوفي عام 1944. ورغم أنه درس اللاهوت، إلا أنه زار المنطقة مرات متعددة وجمع الكثير من المعلومات الهامة عنها، وكان من أهم اكتشافاته كما يقال اكتشافه لقصر عمره. ويبدو أنه أتقن اللغة العربية الكلاسيكية والحديثة، وأكثر من ثلاثين لهجة!
وربما كان من مهامه في المنطقة إفشال محاولة بريطانيا القيام بانقلاب ضد الأتراك. ومما يذكر عنه أنه ساهم في إنشاء المعهد الشرقي لأكاديمية العلوم في براغ. غير أن ما يدهش في سرده لتاريخ شبه الجزيرة العربية، الممتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين، هو دقة التفاصيل والشخصيات وأسماء الأماكن. بالطبع هو يعترف باعتماده على العديد من الوثائق والدراسات، ولكنه أضاف الكثير من المعلومات التي حصل عليها بنفسه.
وكعادة المستشرقين أو الرحالة الغربيين في المنطقة في تلك الفترة، وعلى رأسهم الشخصية المشهورة لورانس العرب، لم يترددوا في الاندماج الكامل مع شعوب المنطقة، فلبسوا الدشداشة والعقال وركبوا الجمال وحملوا البنادق وامتشقوا الخناجر... وأكلوا مما كان يأكل أهالي المنطقة، وعانوا معهم الحر والجوع والعطش ووحشة الصحراء وبحارا من الرمال اللامتناهية.
ودونوا كل شيء، بقدر ما استطاعوا من الموضوعية التي يندر أن نجدها اليوم في كتب المؤرخين. الفرق بين هؤلاء وهؤلاء، هو أن عصرنا الحديث أصبح عصر «من يدفع أكثر»، بينما المؤرخون في الأزمنة القديمة كانوا يبحثون عن الحقيقة على حسابهم الخاص، أيا كانت توجهاتهم.
صحيح أن هناك مؤرخين عربا ومسلمين كتبوا عن تاريخ المنطقة، وهذا أمر بديهي، ولكن ما يدعو للدهشة هو اهتمام كاتب ألماني بتاريخ الجزيرة العربية في أدق تفاصيلها، ومتابعتها عن قرب، وليس بالانترنت كما نفعل اليوم. فنحن نزور ألف بلد وبلد ونحن جالسون أمام شاشة الحاسوب، دون أن نحرك ساكنا، بينما مؤرخو القرون السابقة، كانت المغامرة هي روح الكاتب.
وهذا الحماس نجده أيضا لدى ماكس أوبنهايم في رحلته إلى مسقط عبر الخليج. وهذا الأخير عاش ما بين 1860 و1946، وجمع بين التاريخ وعلم الآثار، تاركا عمله كدبلوماسي خلف ظهره. ولا بد من الإشارة إلى أن هذين المؤلفين، غير معروفين لدى معظم المثقفين أو المؤرخين أو الدارسين.
ترى ما الذي حل بالبشرية خلال نصف قرن؟ كيف اختفى أمثال هؤلاء الكتاب عن وجه البسيطة؟ لماذا تحول معظم المؤرخين إلى مطبلين للأنظمة التي تطعمهم وتحميهم؟ وكيف قضت الكاميرا السينمائية والتقارير الإخبارية على مهنة التاريخ؟
ثم إن المسألة لا تقتصر على كتابة التاريخ، ولكنها تشمل كيفية الكتابة وكيفية الوصف ودقة الملاحظة والتحليل، وكيفية جذب انتباه القارئ إلى أدق التفاصيل المملة، بحيث يشاهد الأحداث على الورق بثلاثة أبعاد، وكأنه يقرأ قصصاً من الخيال العلمي.
ونشيد هنا بقلم وباهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، في هذا المضمار الصعب والمحير والشاق والخطير، في إصداره للعديد من كتب التاريخ التي ترجمت إلى عدة لغات عالمية.
أتمنى أن يعود ذلك التاريخ القديم، رغم كل مصاعبه وتعقيداته وانعدام الأمن فيه، ولكنه كان زمنا يعيش على سجيته وطبيعته التي نفتقدها اليوم في حياتنا، التي تحولت إلى مؤشرات أسهم حمراء وزرقاء، وحسابات مصرفية مفلسة، وأبناء لا يرون آباءهم إلا عند تسلم مخصصاتهم الشهرية.
جامعة الإمارات