خلال الشهور الأخيرة تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعدا في حالة التوتر، تزيد من تعقيدات الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وإذا كان من المنطقي أن تجمد السلطة الفلسطينية مشاركتها في المفاوضات السلمية مع الحكومة الإسرائيلية، الهادفة إلى صياغة ملامح التسوية الشاملة، فلأن إسرائيل تصر على مواصلة نشاطها الاستيطاني.
وهو سلوك لا يعبر فقط عن سوء النية، وإنما يتعارض مع الاتفاقات التي توصل إليها رباعي الوسطاء الدولي مع الأطراف المعنية، ومع أسس «خارطة الطريق» التي تمت المصادقة عليها، كوثيقة أساسية في تسوية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.
وكما قال سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي، فإن العقبة الرئيسية على طريق استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تتمثل في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، وإن القرارات التي اتخذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (حول تجميد الاستيطان لمدة 10 أشهر) تصب في الاتجاه الصحيح، ولكنها غير كافية.
والموقف الذي عبر عنه لافروف لا يعبر فقط عن قناعة موسكو، وإنما هو موقف أغلبية الوسطاء الدوليين، اذ دعا بان كي مون أمام اجتماع للجنة الأمم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني، إلى استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.
مشيرا إلى أن استمرار بناء المستوطنات في القدس الشرقية والضفة الغربية، يؤثر بشكل سلبي على الجهود الدولية لاستئناف المفاوضات السلمية بين أطراف النزاع، وأكد أن بناء المستوطنات ينتهك القانون الدولي، ويخالف خطة «خارطة الطريق» التي تنص على تجميد إسرائيل لكل الأنشطة الاستيطانية، بما في ذلك ما يسمى بالنمو الطبيعي.
وذكر أن النشاط الاستيطاني يقوض الثقة بين الطرفين، ويحكم بصورة مسبقة على الوضع النهائي للمفاوضات، ويعيق تحقيق حل الدولتين، معربا عن قناعته بأن الثقة بين الطرفين تراجعت في ظل غياب المحادثات، ما أدى لازدياد التوتر في القدس الشرقية، وأنه إذا لم يتم تحريك العملية السياسية فإن الوضع مهدد بالتراجع إلى الوراء.
المثير للدهشة أن إسرائيل اعترضت على تصريحات بان كي مون، واعتبرت أنها رضوخ لضغوط الدول العربية، ما عكس تجاهلا فجاً لدور وجهود الوسطاء الدوليين.
في نفس الوقت تتحدث الأوساط الحاكمة في إسرائيل عن حرب جديدة يمكن أن يشتعل فتيلها في المنطقة، وتوجهت أنظار المجتمع الدولي نحو حزب الله، بحجة قيامه بنشر صواريخ بعيدة المدى على مساحة كبيرة في شمال لبنان ومنطقة البقاع.
ولا شك أن الحرب الإسرائيلية المتوقعة لن تكون موجهة إلى حزب الله، وهو ما أكده قائد المنطقة الشمالية في إسرائيل الميجر جنرال غادي ايزنكوت، قائلا إن التقارير الأخيرة حول وجود توتر على الحدود الإسرائيلية ـ اللبنانية، لا تعدو كونها افتراضا لا يمت إلى الحقيقة بصلة.
وهو ما يعني أن الحرب المحتملة، يمكن أن تكون ضد قطاع غزة بهدف ضرب حركة «حماس»، بعد أن وصلت مفاوضات القاهرة إلى طريق مسدود، وأصبح الوضع معقدا يصعب تحريكه دون تفجير صدام عسكري.
وقد يرى بعض السياسيين أن إعادة ترتيب الأوراق السياسية يحتاج لمثل هذه الخطوة، إلا أن الجريمة تتمثل في أن الحرب السابقة، والتي قيل إنها استهدفت تقليم أظافر حركة «حماس»، لم تحقق هذا الهدف، وإنما تركزت على تصفية الفلسطينيين المدنيين العزل، ما جعل منها جريمة حرب، كما جاء في تقرير غولدستون، بل جريمة ضد الإنسانية!
فكيف يمكن التجاوب مع منطق السياسيين المغامرين، بضرورة تحريك العملية السياسية عبر حرب في المنطقة؟ ولماذا لا يتم تحريك هذه العملية عبر إلزام إسرائيل بقرارات المجتمع الدولي، وقبول الاتفاقات التي تم التوصل لها سابقا؟ ولماذا يجب أن يتم قتل المدنيين العزل حتى نعود لطاولة المفاوضات، بدلا من إلزام أحد أطراف النزاع باحترام جهود وإرادة الوسطاء الدوليين الذين اختارهم المجتمع الدولي لتسوية الأزمة؟!
في هذا السياق عبر سيرغى لافروف عن موقف موسكو بوضوح، وأكد أن روسيا تواصل اتصالاتها مع حماس، «لأن وحدة الصف الفلسطيني هي السبيل الوحيد لاستئناف المفاوضات السلمية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل».
ودعا لاستئناف المفاوضات السلمية على الأسس التي أقرها مجلس الأمن ورباعي الوسطاء الدولي، ولعقد اجتماع على مستوى الوزراء لرباعي الوسطاء الدولي، لأنه يتحمل مسؤولية الاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقا بين الأطراف المعنية.
خبيرة الطاقة الروسية