عبر العصور السابقة، اجتهد الاقتصاديون لإضفاء عدد من الآليات النفعية في المفاهيم الإنسانية، لخلق أنشطة إنسانية هي في حقيقتها آليات استثمارية، كما هو الحال في الاستثمارات التي تعقب الكوارث الطبيعية والحروب، وفق المبدأ الاقتصادي القديم الذي يختصره العرب في مقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد»، وسياسياً تسمى المتاجرة بالقضايا الحساسة، واليوم أصبح هذا الاستثمار عصب ما يسمى باقتصاد الخدمات، فالشحن والنقل والتأمين تسمى في الأزمات إغاثة، مع أنها ليست مجاناً.

حقيقة الجينات المكونة للرأسمالية لا تعرف الأعمال الخيرية، بمفهومها المجرد من النفعية، بل هي إغاثة بأعلى درجات النفعية، وحتى ما نراه من أعمال تمريض وخدمات إنقاذ، حقيقة لا يتجاوز 4% من الأنشطة التي في جوهرها أيضاً توفير تكاليف تدريب، بل وتطوير آليات وخبرات الدول المرسلة لهذه الفرق.

فهذه تحليلات كارثة توسونامي 2004 تثبت تحقيق أرباح تفوق 100 مليون دولار، وان الإنفاق العالمي متمثلاً في الأمم المتحدة ووعود الدول العظمى، لم يتجاوز 39% من الموعود به.

بالإضافة لما شاب الأداء من فساد مالي، فها هي اندونيسيا تتلف 75 طناً من الأدوية لانتهاء صلاحيتها، بالإضافة للهدر المالي لحساب الشركات الدولية لبناء مراكز صحية في سريلانكا تجاوزت 40 ألف مركز، اغلبها كان عبارة عن خيام لا ترتقي لأبسط معايير المباني الصحية، ناهيك عن أن الجهود الدولية كانت محركة لأنشطة مالية غير متعلقة بالأزمة، كتمويل قروض زوارق مبالغ في أسعارها.

النظرية الرأسمالية تقرر أن مفهوم الأخذ والعطاء قد يفسر أحيانا بالأنانية أو الوحشية في معاملة الآخر، لاسيما كون الآخر تحت أنياب الحاجة، إلا أنها الحياة!

فالإنسان يحصل على العلم بمقابل مادي، لينعكس العلم عليه بأداء جالب لأموال أكثر، وهكذا هي الحياة الاجتماعية، من الأمومة التي تعد مبدأ إنسانياً سامياً للرعاية، إلا أنها تتطلب من الأبناء رد الجميل، ان لم يكن للأم بصورة مباشرة فللمجتمع بصورته الأشمل.

والحقيقة ان هذه القيم الرأسمالية، قد تكون مقبولة متى صيغت في إطار الوعي الجيد لآليات التكافل الاجتماعي على نحو غير مبالغ فيه، لينعكس إيجاباً على الجميع بعيداً عن الاستغلال، وإلا كانت محركاً للفساد في أبشع صوره المبنية على معاناة الآخرين.

المتأمل لما نراه اليوم من أداء عالمي لإغاثة هاييتي ودعوات إعادة إعمارها، والذي تترأسه الولايات المتحدة، يرى أنه ليس سوى شكل من أشكال المثل الصيني «لتكن ثروة ابني شارعا أولا».

فالمجهودات الأميركية لا تعمل كما يفسره البعض بالسياسة الناعمة من خلال أعمال الإغاثة ومردودها على تحسين السمعة الأميركية عالميا، حتى إن معتقل غوانتانامو سيئ السمعة أصبح يقدم خدمات إغاثة للهاييتيين المنكوبين فقط!

بل الأهم أنها تعمل وفق ضرورة تلافي التكاليف العالية لنزوح ثلاثة ملايين مشرد هاييتي لا تبعد عنهم كاليفورنيا سوى 700 ميل، وما يتبع ذلك من طلبات اللجوء الإنساني، بل إن تواجد 16000 جندي أميركي يعني سيادة الشركات الأميركية، من خلال حصتها من التدفقات الدولية لإعادة الإعمار.

المهم ليس بناء نظرية المؤامرة، بل أبعد من ذلك، ألا وهو إدراك حقيقي لمفاهيم وآليات الكوارث اقتصاديا، كما هو الحال لدى الدول العظمى، فتكاليف تحسب وسلبيات تدرك لتلافيها، وجمعيات خيرية تتوحد تحت مظلة واحدة لتركيز الأداء ورفع مستواه.

وجوانب أخرى تترك للقطاع الخاص من خلال أفكار توظف للاستفادة من الأزمة، وتعود بزيادة وظائف وخدمات وعوائد مالية اكبر. فهذه شركات الاتصال الأوروبية تعرض خدمات التبرع عبر إرسال الرسائل النصية، فهل نعلم كم ستستقطع؟ وكم سيصل بعد مرور المبلغ بقنوات رسوم وخصومات مخفية من قبل الشركات المانحة للخدمة؟!

الواقع ان مفهوم إدارة الكوارث لدى الدول العظمى، تعدى مفاهيم سرعة السيطرة على الأزمة او تلافي انعكاساتها الأمنية، وصولا الى استراتيجيات اقتصادية بحتة تحمل في طياتها اتفاقيات سياسية وروابط دولية أقوى، ومميزات اكبر لرعاياها على أراضي الدول المنكوبة. فهل أدركنا نحن العرب الكوارث بما تحمله أجندتها من ايجابيات؟ أم أننا دخلنا وخرجنا منها ولسان الحال يقول «أنا الغريق فما خوفي من البلل»؟

تمثيل حقيقي للسلبية في التعاطي، وفي أحسن الأحوال ايجابية أداء يمثل تطبيقات لنظرية العشوائية، بالإضافة إلى تبني استراتيجيات ينقصها عنصر الاستمرار والإضافة لخبرات وآليات الكوارث التي تموت مشاريعها قبل عيد ميلادها الأول. غياب حقيقي لأهم عناصر الإغاثة.

ابتداء من المشاركة الاجتماعية التي أثبتت كارثة تسونامي 2004 أن الدور الأساسي والفضل الأكبر فيها، يعود للسكان السيريلانكيين الذين فاقت جهودهم مجهودات الأمم المتحدة، مروراً بأن لا تكون آليات الهدر المالي، بل الجلب المالي من خلال إشراك القطاع الخاص ليكون داعماً ومستفيداً، والعنصر الأهم عربياً أن تكون الكوارث نقاط إعادة للتلاحم العربي، من خلال تغطيه إعلامية مسؤولة قادرة على بناء أواصر التلاحم وإثبات التعاون.

باحث في الاقتصاد الدولي

I2dubai@hotmail.com