تبدو الولايات المتحدة الأميركية وكأنها الدولة التي تقود الحملة ضد انتشار الأسلحة النووية في العالم، وتسعى بجدية لعقد اتفاق جديد مع روسيا حول الحد من هذه الأسلحة، ولكن واقع الأمر أن واشنطن ترفع الشعار باليمين وتفعل العكس باليسار.

صحيفة «التايمز» البريطانية نشرت مؤخرا تقريرا لخبراء عسكريين أميركيين، يقول إنه «في قواعد جوية في خمس دول أوروبية هي ألمانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا وتركيا، يوجد نحو مائتي رأس نووية أميركية من النوع الذي يلقى من الجو».

هذه الرؤوس النووية يسمونها في واشنطن «المظلة النووية الأوروبية»، والخبراء الأميركيون في تقريرهم يحذرون بشدة من استمرار الاحتفاظ بهذه الرؤوس النووية في أراضي هذه الدول الخمس التي لا تنتج سلاحا نوويا ولا تفكر في إنتاجه، ويقول الخبراء إن هذه الرؤوس النووية تشكل خطرا محدقا على أوروبا نفسها.

هذه الرؤوس النووية من إنتاج الولايات المتحدة، وهي التي تملكها وهي المسؤولة عن حمايتها وصيانتها في أوروبا، ويمكن في حالة اندلاع أية حرب قريبة من أوروبا أو في أوروبا نفسها، أن تصبح هذه القنابل جاهزة للاستخدام بأوامر من قيادة حلف الناتو.

ومن يتصور أن هذا أمر مستبعد يكون مخطئاً، لأن الأوضاع على الساحة الدولية الآن أصبحت تقبل كافة الاحتمالات، في ظل تهديدات مبهمة من جهات غامضة لا نعرف عنها شيئا، لكننا نسمع عنها كل يوم وكأنها تعيش معنا.

المادة الخامسة من اتفاق واشنطن حول تأسيس حلف شمال ألأطلسي، تنص على أنه «في إطار التعاون المشترك وتقديم المساعدات العسكرية بين الدول أعضاء الحلف، فإن قيادة الحلف تستطيع إلزام أية دولة عضو في الحلف بقبول السلاح النووي على أراضيها، بهدف دعم الأمن».

الآن بعد عشرين عاما على انهيار جدار برلين وانتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي، تريد واشنطن من هذه الدول الأوروبية الخمس أن تكون مستعدة لأي حرب نووية، وتلزمها بتخزين هذه الرؤوس النووية على أراضيها والإنفاق على حمايتها وصيانتها، وأيضا ملزمة بقبول الخبراء والعسكريين الأميركيين على أراضيها، ليدربوا جيوشها على استخدام هذا السلاح المدمر للبشرية، كما أنها ملزمة باقتناء الطائرات الأميركية المعدة لحمل هذه الرؤوس وإلقائها من الجو.

واشنطن التي تقود حملة هجومية على إيران وكوريا الشمالية بسبب السلاح النووي، وتدعي عدم التزامهما بالمعاهدات الدولية، تخالف هي نفسها وبشكل صريح نصوص المعاهدات الدولية حول الحد من انتشار السلاح النووي، هذه المعاهدات التي تحرم على الدول التي تملك السلاح النووي أن تنشره في أراضي الدول الأخرى التي لا تملكه، كما تحرم على هذه الدول قبول هذا السلاح على أراضيها.

الدول الخمس المذكورة كانت قد قبلت بوجود هذه الرؤوس النووية على أراضيها، بدافع إحساسها بالنقص وسط الدول التي تملك هذا السلاح، لكن هذه الدول الآن تستشعر الخطر من استمرار وجود هذه الرؤوس النووية على أراضيها، وواشنطن تمارس عليها ضغوطا مختلفة للقبول باستمرار الوضع على ما هو عليه.

وقد طرحت هذه القضية بشكل حاد للنقاش في إطار الاتحاد الأوروبي، بعد أن ظهرت تقارير لخبراء أميركيين، تقول إن أوضاع تخزين وصيانة هذه الرؤوس النووية الآن غير صحيحة وغير مطابقة للمواصفات، الأمر الذي يشكل خطرا نوويا محتملا في أي وقت في القارة الأوروبية، ولكن قيادة حلف الناتو مصممة على بقاء هذه الرؤوس النووية في أراضي تلك الدول.

لا شك أن روسيا التي تولي اهتماما خاصا للأمن الأوروبي الذي تتعامل معه كجزء لا يتجزأ من أمنها، لن تقبل استمرار هذه الأوضاع، وربما تكون قضية هذه الرؤوس النووية في أوروبا إحدى المشاكل غير المعلنة، التي تواجه توقيع اتفاق الحد من انتشار الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru