يبدو من الصعب اليوم أن يَكُون الإنسانُ نفسَه، وهو أهم مطلب عند الإنسان فطريا، إلا أن الكثيرين تخلوا عن هذا المطلب الفطري، لأنهم وجدوا طريقه صعبا ووعرا وموحشا، ووجدوا أن الأسهل بالنسبة لهم أن يكونوا جزءًا من الكثرة الغالبة..
لا يتعب أي شخص في أن يكون مثل فلان أو علان، لا يوجد مجهود ذهني أو فكري يبذله، حين يتخلى عن الجوهر ويركز على المظهر وعلى الشكل الخارجي فقط، ويصبح هو أقصى اهتمامه. مع أننا لو عدنا واهتممنا بالجوهر لأصبحت حياتنا أكثر إشراقًا وبهاء، وأكثر ألوانًا وبهجة.
في محاولاتنا لأن نكون أنفسنا ولا نشبه أحدًا، وأن نمارس فعليا ما يمثل قناعاتنا الداخلية، أصبحنا أكثر وحدة، وأكثر إحساسًا بالفقد، نفتقد ماذا؟ هذا ما لا نعلمه في أحيان كثيرة، لكننا نفتقد أشخاصًا وأشياء، ونعيش كالمحرومين نفسيا وليس ماديا، ونشعر أننا دائما نبحث عن شيء لا نستطيع الوصول له.
وربما نبحث في أحيان كثيرة عن ذواتنا الضائعة في دوامة الحياة بتفاصيلها اللامنتهية، لأننا اخترنا أن نضع أنفسنا بين أنياب الوحدة الموحشة، وهو الثمن الذي لابد من دفعه كي نصل إلى هدفنا، ونكون «أنفسَنا».
تزداد المسافة بيننا وبين مَن حولنا، ونشعر أننا نسير في اتجاه، ومَن حولنا يرفضون أن يرافقونا نحو الاتجاه ذاته، ويفضلون اتجاهات أخرى غيره.
فنجد أنفسنا مخيرين بين أن نسير وحيدين بلا خِل ولا رفيق في طريق قد يمتد عمرا بأكمله، أو أن نرافقهم في الاتجاه الذي اختاروه، ونمشي معهم في ذلك الطريق كي نكون مع الجماعة. لكننا سنشعر حينها أننا مع الجماعة جسدًا، أما الروح فلا تستطيع الانسجام مع طريق لم تختره بنفسها.
ومع ذلك يرفض الكثيرون منا أن يسيروا في أي طريق وحدهم، ويفضلون صحبة الجماعة والتشبه بالأغلبية، لكنهم كلما تقدم الوقت شعروا أكثر بانفصالهم، وربما انعزالهم، عمن حولهم، وفي محاولة لتناسي ذلك الواقع سيغرقون معهم في حياتهم المادية أكثر، وسينسون ـ وربما سيهملون ـ جوانب أخرى أكثر أهمية في حياتهم.
كأن الزمن يحكمهم، وكأنهم استسلموا لرغباته وأسلموه راحة أيديهم ليمسك بها ويقودهم إلى حيث يشاء، دون أدنى اعتراض أو مقاومة، أو حتى مجرد التعبير عن رأي مخالف.
تكاد قناعاتنا ببعض الأمور تتزعزع، وتحل محلها قناعات أخرى جديدة غريبة علينا، وذلك في خطوة يائسة لردم الفجوة بيننا وبين مَن حولنا ممن يبدون طبيعيين جدا لأنهم يستندون إلى قوة الأغلبية، كثرتهم هي التي تجعلهم يبدون طبيعيين ويبدو غيرهم شاذًّا غير طبيعي، لأنه لا يشبههم ويقف موقف القلة والضآلة أمام تلك الكثرة التي اجتمعت على ما اجتمعت عليه.
نحاول أن نشبههم كي نقترب منهم أكثر، ونفعل ذلك غير منتبهين إلى أننا حينها نبتعد عن أنفسنا.. نبتعد عن أن نكون نحن.. نبتعد عن أن يشبه خارجُنا داخلَنا، فلا نجد لنا لونًا ولا رائحة ولا طعمًا، ولا حتى شكلا مقبولا.
حين سننتبه إلى ذلك، سنجد أننا ضيعنا أنفسنا، وربما ضيعنا أولئك الذين نتشبّه بهم أيضا، لأننا نخفق في أن نكون غيرنا فنصبح غِربانا عرجاء.. لا هي استطاعت أن تصبح طواويس تمشي في الأرض مرحا، ولا هي استطاعت أن تعود إلى نفسها وإلى سابق مشيتها.
لقد أصبحنا جميعا نسخًا متشابهة لأصل واحد، أو ربما لبضعة أصول ذهبت واختفت، لكن بقيت نسخها الكربونية الباهتة التي هي نحن. ذلك أننا نسعى جميعا لأن نقلد بعضنا في كل شيء، الذي يستطيع والذي لا يستطيع.. الكل يريد أن يكون مثل الكل، حتى غابت الفروقات والخصوصيات بين الناس، وأصبحوا جميعا سواسية في كل شيء، مع الفارق الشديد في فكرة السواسية هذه بين تطبيقها بهذا الشكل، وبين جوهرها الحقيقي.
هكذا أصبحت الأغلبية أغلبية، حين تخلى الناس عن خصوصياتهم واتجهوا جميعا نحو اللون الموحد، الأشبه بالزي الموحد الذي لا يتميز فيه أحد، متناسين أن هذا التوحد في الشكل الخارجي لا يجعلهم أفضل، بل يجعلهم مجرد أعداد في وقت ليس المطلوب فيه العدد، بقدر ما هو مطلوب فيه التميز.. أي أن يكون كل واحد منا أصلا بنفسه، لا نسخة باهتة ومكرورة من غيره.
جامعة الإمارات