أثارت المحن البشرية، التي حدثت في أعقاب زلزال هاييتي، ردود فعل عالمية واسعة، ففي الولايات المتحدة استجاب الأميركيون في أرجاء البلاد كافة لها، من خلال تبرعهم بملايين الدولارات، عبر الإنترنت في الغالب. ونقل الرئيس الأميركي باراك أوباما قوات عسكرية لحفظ النظام وإيجاد الحد الأدنى من البنية التحتية اللازمة لتلقي المساعدات وإيصالها للمحتاجين. ومع ذلك ما زالت حصيلة الخسائر تواصل الارتفاع.
والآن ما الذي يمكن أن نستخلصه من هذه المأساة؟ الأمر الأول هو وضوح الرؤية، ففي عام 1994 ضربت جنوبي كاليفورنيا هزة أرضية بالقوة نفسها تقريبا، وتسببت هزة «نورث ريدج» في خسائر تقدر بنحو 25 مليار دولار، ولقي 72 شخصا مصرعهم. وفي هاييتي دمرت القوة الزلزالية العاصمة، ولا توجد حصيلة دقيقة للقتلى، لكن عددهم يتراوح بين 150 و200 ألف شخص.
ندرك الآن أن الفقر له مفعول أقوى من الزلزال، فقد شل قدرة الحكومة الهاييتية على الاستجابة الفورية للحادث. والأنكى من ذلك أن الفقر يترك السكان معرضين للأخطار. وحتى صحيفة «وول ستريت جورنال»، تحدثت في افتتاحيتها عن كيف أظهرت التشريعات القوية في قوانين البناء، تفاوتا كبيرا في الأضرار الناجمة عن الهزتين الأرضيتين.
أما الأمر الثاني الذي يمكن أن نستخلصه، فهو أن المساعدات الإنسانية مهمة، لكنها غير كافية. فالتعاطف الإنساني الغامر مع ضحايا الكوارث البشرية، يجب ألا يتأثر لدى مقارنته مع كوارث من صنع البشر. فمناشدة الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، يجب أن تتحول من مساعدات إنسانية طارئة إلى إعادة إعمار على المدى الطويل.
بالطبع فإن الولايات المتحدة في حاجة ماسة لإعادة الإعمار داخليا. فمع خوضها حربين على مستوى العالم، هناك عجز هائل في الميزانية، كما يعاني 25 مليون أميركي من البطالة، وآن الأوان لإعادة بناء أميركا.
غير أن هاييتي تحتل مرتبة أعلى في أولوياتنا، فهي جارتنا. والولايات المتحدة لا تستطيع الازدهار، ثم الظهور كدولة غنية تحيط بها الدول الفقيرة. ولأنها جارتنا، فمهما صغر شأنها فإن لها تأثيرا كبيرا علينا. فلو عجز الهاييتيون عن إيجاد مستقبل في جزيرتهم، فسيتدفقون إلى شواطئنا بأعداد هائلة. ورأيناهم كيف يخاطرون بحياتهم للقيام بهذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر. كما شاهدنا رد الفعل الأميركي العجيب، إذ كانت تتم معانقة الكوبيين الذين يشقون طريقهم إلى ديارنا، في حين يرد الهاييتيون على أعقابهم. والحل يتمثل في عدم سحق حياة اليائسين، وإزالة الظروف التي تسبب لهم اليأس.
ولأن هاييتي جارتنا، فإن لها مأخذا علينا. ففي جميع أرجاء العالم يجري تقييم النوايا الطيبة للأميركيين، وبصورة جزئية من خلال الطريقة التي نعامل بها أفقر الدول والشعوب، خصوصا المجاورة لنا. فهل تتاجر أميركا بنموذج اقتصادي لا ينجح إلا في بلادها وفي الصين التي توصف بالدكتاتورية؟ أم هل لديها نموذج ينجح مع الفقراء والأغنياء على حد سواء؟ وفي هذا الشأن، فإن هاييتي ستكون مقياسا دوليا على المحك.
وللجزيرة مأخذ تاريخي علينا، فالهاييتيون لا يتذكرون المساهمة الكبيرة التي قدمتها الجارة الطيبة، إلا في أوقات المحن. فقد رسخت الثورة ضد الفرنسيين عام 1791، هاييتي كدولة مستقلة. ونظرا لعدم توفر مرفأ آمن، قرر نابليون التخلي عن نيو اورليانز، وهكذا أبدى رغبته في إنجاز ما يعرف الآن ب«صفقة لويزيانا»، وذلك عقب الثورة الهاييتية والدستور، اللذين يعتبران من أهم المساهمات التاريخية في نجاح مستقبل أميركا. ولو لم ينجح الهاييتيون في ثورتهم، لربما لم تكن الولايات المتحدة لتتحول إلى قوة عظمى مطلقا. فنحن ندين للهاييتيين بامتنان عميق.
وإعادة الإعمار على المدى الطويل ليست بالأمر السهل، فيجب علينا منح الهاييتيين سلطات واسعة، ومدهم بأسباب القوة والمناعة. فالزراعة في هاييتي تتعرض الآن لمعاناة شديدة، وذلك لأن الولايات المتحدة تغرق الجزيرة بفائضها الغذائي، وتسمي ذلك مساعدة إنسانية. ولهذا السبب نحتاج لجهود تسترشد بهذه الأمور، في هاييتي وفي الولايات المتحدة، يقودها خبراء كبار لديهم الحكمة والخبرة الواسعة بشأن الجزيرة.
كما نحتاج مجددا للتفكير بصورة مبدعة. فعلى سبيل المثال، عندما كان رئيس هاييتي السابق جون أريستيد في منصبه، عكف على تحويل قاعدة غوانتانامو من معزل للبحرية الأميركية، إلى مركز طبي إقليمي. واستطاع استغلال التقدم الطبي في الولايات المتحدة وكوبا لإجراء البحوث العلمية، وتوفير الخدمات الطارئة، والمنشآت الطبية الحديثة للمنطقة. وبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، تحولت غوانتانامو إلى معتقل بدلا من مستشفى، واستغلها تنظيم القاعدة كأداة لتجنيد عناصر جديدة من جميع أرجاء العالم.
وقد تعهد أوباما بإغلاق مركز الاعتقال في غوانتانامو. والآن يبدو هذا أنسب وقت، للإعلان عن مبادرة لتحويل هذه المنشأة إلى مركز طبي ومستشفى للمنطقة. وهذا لن يكسب الولايات المتحدة نوايا طيبة في جميع أرجاء العالم فحسب، ولكن أيضا سيوفر لشعوب المنطقة مركزا طبيا حيويا.
وقد لاحظ العالم فعلا استجابة أميركا السخية لمأساة هاييتي. والآن لنعرض التزامنا بنهوض هاييتي على المدى الطويل، وليس مجرد الحفاظ على بقائها على المدى القصير. وهذا لن يكسبنا احترام هاييتي فحسب، بل المنطقة والعالم ككل. وإذا استطعنا بناء الأمل من القنوط، فسنظهر حقا أننا جيران طيبون.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية