كثر الحديث مؤخراً حول الخطر الذي يمثله تنظيم القاعدة في اليمن، ويرجع هذا الأمر إلى أسباب متعددة، منها بالطبع وجود التنظيم في اليمن بصورة واضحة وعلاقته بتنظيمات سياسية داخلية، لكن يمكن أن نضيف لذلك أسباباً أخرى، تتعلق بالمواجهة الكونية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم القاعدة، وتطورات الأوضاع في كل من باكستان وأفغانستان.

وحسب الكاتب توفيق المديني فإنه من الناحية التاريخية، ارتبط تنظيم «القاعدة» باليمن، نظرا لأن أسامة بن لادن ينتمي إلى القبائل اليمنية، وهو يشعر بأنه يمني، رغم حصوله على الجنسية السعودية. ولفترة طويلة من الزمن، ظل الرئيس علي عبدالله صالح الموجود في السلطة منذ العام 1978، والذي يعاني نظامه من صراعات داخلية على خلافته، يلعب بالورقة الإسلامية من أجل تعزيز سلطته. ونظرا لأن اليمن.

بعد أن أرسل آلاف «الجهاديين» يقاتلون ضد القوات السوفيتية في أفغانستان في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، فقد استعان بهم النظام لدى عودتهم، من أجل القضاء على التمرد الانفصالي في الجنوب. ومؤخرا، استخدمت السلطة اليمنية التيار السلفي التقليدي، بوصفه حليفاً ظرفياً للسلطة في مواجهة تمرد الحوثيين.

وفي الواقع، فإن ملف تنظيم «القاعدة» كان على الدوام موضوع خلاف بين الولايات المتحدة الأميركية والحكومة اليمنية، بسبب العمليات التي استهدفت الأميركيين في اليمن منذ عام 2000، وقتل زورق تابع للبحرية الأميركية زعيماً قبلياً كبيراً هو سليم الحارثي، بوصفه أحد مسؤولي «القاعدة» الكبار، قبل انتخابات الكونغرس الأميركي في نوفمبر 2002.

وقد اعترض الأميركيون على إطلاق صنعاء في نهاية 2007، سراح جمال البداوي أحد العقول المدبرة للعملية التي استهدفت المدمرة الأميركية كول سنة 2000، فضلاً عن الهجوم الذي استهدف مقر السفارة الأميركية في صنعاء في سبتمبر 2008.

من جهة أخرى، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد ذكر في خطابه الذي ألقاه يوم أول ديسمبر 2009، بمناسبة إعلان خطة إرسال الجنود الأميركيين إلى أفغانستان، اليمن في قائمة البلدان التي يتمركز فيها تنظيم «القاعدة». وهو ما يعني أن الولايات المتحدة تهتم بما يحدث في اليمن من تطورات، خاصة على صعيد علاقة النظام بالقاعدة، سواء سلماً أو صراعاً.

والاهتمام الأميركي بما يحدث في اليمن، يرجع إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تعتقد أن حربها ضد تنظيم القاعدة في أفغانستان، سوف تدفع عناصر التنظيم إلى البحث عن مأوى بديل، كذلك فإن المطالب التي تتعلق بان تكون هناك مفاوضات بين أي من الولايات المتحدة الأميركية أو الحكومة الأفغانية وبين طالبان، سيكون احد بنودها إعطاء درجة ما من الشراكة لطالبان في حكم أفغانستان.

بشرط أن تتخلى عن عناصر القاعدة وتطردها من هناك. وهناك، وفقاً للرؤية الأميركية، بديلان أمام عناصر القاعدة في كلتا الحالتين، الهروب أو تخلي طالبان عنهم؛ الأول هو اليمن، والثاني منطقة الصحراء الكبرى، حيث ينشط «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».

ووفقا للتحليل الأميركي، فإن دول المغرب العربي قادرة على التصدي لخطر القاعدة عبر مساعدات أميركية، لكن خطر التنظيم في اليمن له خصوصية أخرى، تتمثل في أن اليمن الذي اتحد شماله مع جنوبه في دولة وحدوية عام 1990، هو دولة مركزية ضعيفة وفقيرة، فضلاً عن أنه تتجاور مع السلطة المركزية في اليمن، قبائل قوية مدججة بالسلاح الثقيل، وتسيطر على مناطق واسعة في البلاد، وأصبحت بذلك تشكل ملاذات آمنة للحركات الإسلامية المتشددة. فبينما تقاتل قبائل «حاشد» إلى جانب القوات الحكومية، تعمد قبائل عديدة من «بكيل» إلى مساندة الحوثيين.

كل ذلك معطوفاً على أن اليمن دولة إشكالية، وجدت نفسها في مرمى اضطرابات أهلية مستمرة منذ 1994، تُمارس من جهة باسم الكيانات الانفصالية، ومن جهة أخرى باسم وحدة اليمن. وقد عاد الانفجار المتعلق بجماعة الحوثيين، التي تقيم في المناطق الجبلية في شمال اليمن (وهي جزء من الطائفة الزيدية المنتمية إلى المذهب الشيعي، لكنها تختلف بوضوح عن الشيعة الإثني عشرية التي تشكل الأكثرية في إيران)، إلى الظهور في حرب صعدة الأخيرة التي أضعفت السلطة المركزية كثيرا.

وقد استغل تنظيم «القاعدة» الصراعات الأهلية الداخلية، لكي يقيم تحالفات مع ما يسمى «الحراك الجنوبي» الذي ينادي بانفصال جنوب اليمن عن الشمال، وتكوين دولة مستقلة، لكي يقيم معسكرات تدريب في أماكن نائية، ويستقطب عناصر جديدة للتنظيم من العرب والأجانب، ويخطط لقيام «إمارة إسلامية». وكل ذلك يجعل اليمن تربة صالحة لكي تكون مأوى لتنظيم القاعدة في المرحلة المقبلة، بما جعل منها محور اهتمام العالم وخاصة الولايات المتحدة، في ما يتعلق بالحرب على تنظيم القاعدة.

وإذا كانت الولايات المتحدة ترى أن دول المغرب تستطيع التصدي للقاعدة، فهي للأسباب السابقة ترى أن اليمن لا يمكنه وحده التصدي لهذا الخطر، فضلاً عن أن هناك رؤى أميركية تعتقد بتواطؤ النظام اليمنى مع التنظيم، وبالتالي فإن مواجهته لن تكون بدرجة التصميم المطلوبة، وهذا هو الذي يقف وراء محاولات الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية تدويل المسألة اليمنية، عبر طرح فكرة المؤتمر الدولي حول اليمن. وهذا سيكون محور الصراع الثلاثي بين اليمن والولايات المتحدة والقاعدة، في المرحلة المقبلة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com