قبل أن نتطرق إلى موضوع المصالحة المسيحية ـ المسيحية، بين مسيحيي جهة 8 آذار ممثلة بالعماد ميشال عون والوزير سليمان فرنجية، ومسيحيي تكتل 14 آذار ممثلاً ب«القوات اللبنانية» بقيادة الدكتور سمير جعجع والرئيس الأسبق للجمهورية أمين الجميل، لا بد من إلقاء نظرة فاحصة على طبيعة التكوين السياسي والايدولوجي للمسيحيين في لبنان، وتاريخ العلاقات المسيحية ـ المسيحية.

تاريخياً عرف المسيحيون في لبنان على المستويين الايدولوجي والسياسي، بالتنوع والتعددية وعدم اجتماعهم وراء زعيم وقائد سياسي واحد، بل بغلبة التشردم وتعدد الرؤوس على حياتهم السياسية. ففي مرحلة الانتداب الفرنسي (1920- 1943) انشطروا بين حزب تزعمه الشيخ بشارة الخوري، مؤيد للاستقلال عن فرنسا وإقامة علاقة صداقة وود مع العالم العربي، وحزب مؤيد لبقاء الانتداب الفرنسي وتوطيد العلاقة بين المسيحيين وفرنسا والغرب عموماً، تزعمه اميل إده والد الزعيم اللبناني ريمون إده.

ولاحقاً، في مرحلة الستينات من القرن الماضي، عاد المسيحيون فانقسموا بين تكتل «الحلف» بزعامة كميل شمعون وبيار الجميّل المؤيد للغرب، وتكتل «النهج» الذي رفع لواءه الرئيس اللواء فؤاد شهاب والمؤيد للناصرية وأطروحات الرئيس جمال عبد الناصر.

وفي الحرب اللبنانية، انقسموا بين قيادات تناهض النفوذ السوري والنظمات الفلسطينية، بزعامة بشير الجميل وسمير جعجع، وتيار تحالف مع سوريا وقيادتها، إلى أن جاء اتفاق الطائف فوضع حدا مؤقتا لهذا الصداع، مؤكدا انتماء لبنان إلى العالم العربي. ويجب ان نشير إلى أن مرحلة الحرب شهدت صدامات كبيرة بين «القوات اللبنانية» من جهة، وزعامة الشمال المارونية ورمزها سليمان فرنجية من جهة ثانية، وصدامات أخرى بين الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون الماروني من ضاحية بيروت، والقوات اللبنانية سال فيها دم كثير.

بعد وصول العماد ميشال سليمان إلى الرئاسة، استؤنف الصراع السياسي بين قائد الجيش السابق العماد ميشال عون وقائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، خصوصاً أن الزعيمين المسيحيين شكل كل منهما رأس حربة في شكل مناهض للآخر، بين 8 آذار و14 آذار.

ما هي بواعث هذا الصراع السياسي بين القيادات المسيحية الذي يتجدد منذ نحو قرن من الزمن؟

الباعث الأول يقع في الايدولوجية الدينية المسيحية، التي تشدّد على قيم الحرية الفردية للإنسان وحقه في اختيار نهجه السياسي، من غير إملاءات عليه من مراجع عليا.

الباعث الثاني يتمثل في استمرار الصدام بين خيارين مسيحيين كبيرين: خيار التحالف مع سوريا والانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية، وخيار الانسلاخ عن هذا العالم، تارة بالتحالف مع إسرائيل، ودائما بالعلاقة مع الولايات المتحدة وفرنسا التي تمثل منزلة أساسية في الوجدان المسيحي الجماعي. الباعث الثالث هو الصدام على السلطة ومنافعها، سواء بين قوى سياسية أو مع الجيش اللبناني، وقد تجلى هذا الباعث في العلاقة المتردية بين «القوات اللبنانية« والجيش اللبناني.

الباعث الرابع، أو المحور الرابع للصراع هو مدى اقتراب أية قوة سياسية من سوريا جغرافيا. فالقيادات السياسية الموالية لسوريا تنتمي إلى مناطق متاضمة للحدود اللبنانية السورية تتأثر بالتالي بالمناخ السائد في سوريا وترتبط مصالحها التجارية والاقتصادية بمصالح الاقتصاد السوري. فرنجية مثلا من الشمال، والياس فرزلي، نائب رئيس المجلس النيابي سابقا من البقاع والوزير اسعد حردان، ممثل الحزب السوري القومي الاجتماعي من الجنوب المتاخم في بعض حدوده لسوريا.

بهذا المعنى يمكن الحديث عن «موارنة الجبل» الذين طلع من صفوفهم صقور في معاداة سوريا (كميل شمعون، بيار الجميل، بشير الجميل)، وموارنة الأطراف الجغرافية الذين حافظوا على التحالف مع سوريا. «موارنة الجبل» هم الأشد تمسكا بالقيم الريفية، القائمة على النفور من «الغريب« والانعزال في الجبال والمناسك العالية، هربا من العسف الذي عرفوه مع السلطنة العثمانية.

أما موازنة المناطق المتاخمة لسوريا، فكانوا يحترمون قواعد وضرورات التجاور الجغرافي، خصوصاً أنهم كانوا جزءا من المناطق التي كانت تابعة لسوريا (البقاع، الجنوب، والشمال)، قبل أن تسلخ عن سوريا لتضم إلى جبل لبنان، أو «لبنان الصغير» أيام المتصرفية، فينشأ «لبنان الكبير» الحالي بحدوده سنة 1920.

إذن، يختلط البعد الاقتصادي بالبعد الايدولوجي والتاريخي وبالمصالح المباشرة، في تشكيل لوحة هذا الانقسام الذي يتجدد تاريخيا، ويبدو أنه مستمر لفترة بعيدة، رغم محاولات البطريركية المارونية لرأب الصدع وإعادة اللحمة بين عموم الموارنة.

إنه التاريخ يتكرر، فيما أبطال المسرح يحضرون ويغيبون.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae