من الأشياء التي كان الغرب يتشدق بالافتخار بها في زمن الحرب الباردة، منظومة البنوك الغربية التي كانت تجذب الأموال من كل أنحاء العالم، لما تتمتع به من إمكانيات ومميزات عديدة، على رأسها وأهمها كانت «سرية الحسابات المصرفية»، التي كانت تدفع أصحاب الملايين والمليارات لإيداع أموالهم في هذه البنوك وهم مطمئنون تماما عليها.
هذه السرية لم تكن موجودة في منظومة البنوك في الدول الاشتراكية، التي كانت تخضع مباشرة للدولة ورقابتها.
سرية الحسابات المصرفية ليست شيئا عاديا، بل هي «قدس الأقداس» الذي كان من المستحيل المساس به، وقد أقر مفهوم سرية الحسابات المصرفية حقوقيا لأول مرة في أوروبا عام 1713، عندما منع مجلس جنيف أصحاب البنوك من الكشف عن المعلومات الخاصة بالمودعين ومعاملاتهم المصرفية لأطراف ثالثة، من دون إذن من السلطات.
واليوم، وبعد ثلاثة قرون من ذلك التاريخ، نجد السر المصرفي يفقد قدسيته، وها هي البداية قد ارتسمت. فقد حصلت وكالة المخابرات المركزية الأميركية رسميا، على منفذ للوصول إلى الأسرار المصرفية المتعلقة بملايين المواطنين في دول الاتحاد الأوروبي.
ونذكر هنا كيف اهتزت المنظومة البنكية في أوروبا بشدة في صيف عام 2006، بعد الإفشاء بأن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تجسست على المبادلات المالية الدولية، المارة عبر خدمات شركة «سويفت»، في إطار «الحرب ضد الإرهاب».
ومن المعروف أن «سويفت» التي يوجد مقرها الرئيسي في بروكسل، تدير المعلومات المتعلقة بالتحويلات المالية لحساب أكثر من 8000 مؤسسة مالية في العالم، من بينها كبريات المؤسسات المالية السويسرية.
ولقد أثارت هذه القضية ضجة كبيرة في الأوساط المالية الأوروبية، والمؤسف أن البنوك السويسرية اعترفت بحصول المخابرات الأميركية على معلومات خاصة بالعملاء وحساباتهم، لكنها تحججت بأن الأمر كان محدودا وفي إطار الحملة الدولية على الإرهاب، لكن البنوك لم تخبر عملاءها بذلك!
أما وزارة المالية السويسرية وجمعية البنوك السويسرية، فقد علمتا بوجود تلك النشاطات التجسسية منذ صيف العام 2002، وأخبرهما بذلك البنك المركزي السويسري.
والخلاصة أن الكل كان على علم بذلك، باستثناء العملاء الذين انتهكت خصوصية معاملاتهم وسرية حساباتهم، وقد ارتفعت عدة أصوات تندد بصمت الحكومة السويسرية على هذه العملية التجسسية، بينما أصرت الحكومة على أن السرية البنكية لم يتم انتهاكها.
بعد أقل من خمس سنوات من هذه الحادثة، التي اعتبرتها الأوساط الأوروبية آنذاك فضيحة، تأتي بلدان الاتحاد الأوروبي لتوافق علنا على السماح للمخابرات المركزية الأميركية بالحصول على ما تريد من أسرار مصرفية.
وعزت الوكالة المذكورة كالعادة أسباب اهتمامها بودائع الأوروبيين، إلى ضرورة مكافحة الإرهاب.
البيت الأبيض لم يوضح طبيعة الترابط بين الأسرار المصرفية لودائع مواطني الاتحاد الأوروبي «الخيرين الطيبين»، وبين خطر العمليات الإرهابية، إلا أن بروكسل وافقت رغم ذلك على تقديم معلومات عن معاملات الأوروبيين المالية. ومن البديهي أن الاتحاد الأوروبي لن يتمتع بحق الوصول إلى حسابات البنوك الأميركية!
وبالمناسبة، فإن الأوروبيين وقعوا في قبضة المخابرات الأميركية. وبديهي أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في أوروبا تحتج على ذلك، بوصفه تطاولا مباشرا على مبدأ حماية الحياة الشخصية، إلا أن الحكومات لا تميل إلى الإنصات لاحتجاجات تلك المنظمات والمواطنين.
لا سيما وأن الأسرار المصرفية في أوروبا نفسها مخترقة، ولم يعد مصطلح «البنك السويسري» مرادفا لمفهوم الخزينة السرية لأموال الأثرياء من مختلف أرجاء العالم.
فقد حصلت الحكومة الفرنسية مؤخرا على موافقة سويسرا على تسليمها معلومات عن ودائع الفرنسيين في البنوك السويسرية، وتحاول إيطاليا الحصول على موافقة مماثلة، أما الولايات المتحدة فقد حصلت قبل ذلك من أحد البنوك السويسرية على المعلومات السرية المتعلقة بودائع زبائنه الأميركيين.
وكتبت الصحف البريطانية بسخرية وتهكم، أن البيت الأبيض لن يطلب إذنا من أحد في أوروبا للقيام بما يريد، فأوروبا في كل الأحوال، تفعل ما تريده الإدارة الأميركية، رغم استياء مواطني الاتحاد الأوروبي.
خبيرة الطاقة الروسية