منظومة من القيم والأخلاق النبيلة نشأ عليها أبناء الإمارات جيلا بعد جيل، وعملوا على غرسها في نفوس أبنائهم، حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من التركيبة السلوكية والنفسية لأبناء هذا الوطن. من شذ عنها أصبح كمن يغرد خارج السرب، ملفوظا من مجتمعه ومن المقربين إليه من بني جلدته.. وينشأ ناشئ الفتيان منا ** على ما كان عوده أبوه.

من هذه القيم، احترام الكبير وتوقيره والإنصات له، والعطف على الصغير ولين الجانب له، ومراعاة حرمات الآخرين واحترام خصوصيتهم، مهما كانت درجة الصلة والقرابة، وعدم الخوض في أعراض الغير، وإكرام الضيف وكأنهم يقولون بلسان الحال:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل ولست هنا في مقام سرد قيم مجتمع الإمارات.. لكنني أتوقف عند قيمة التكافل، باعتبارها من القيم التي تقاس بها حضارة الشعوب، وتضامن أبناء المجتمع الواحد وتساندهم في ما بينهم.

سواء كانوا أفرادا أو جماعات، حكاما أو محكومين، والتي تمكنهم من اتخاذ السبل التي ترقى بهم بدافع من شعور وجداني، ليعيش الفرد آمنا في كنف الجماعة، ولا تعيش الجماعة إلا بدعم الفرد لها، لإيجاد المجتمع الآمن.

وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالي: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا).

فتأكيد الإحسان إلى الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، والأمر بالإنفاق في سبيل الله، والتحذير من الشح والبخل، تؤكد أن ديننا الحنيف جاء ليحقق التكافل بين أبناء المجتمع، لينعم الجميع بأمن ورخاء وعيش كريم.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له}.

ومن نعم الله على دولتنا أن قيض لها قيادة استلهمت هذا التوجيه الرباني، فجعلت منه مرتكزا أساسيا من مرتكزات إدارتها لشؤون البلاد والعباد، من دفع الَضر عن أبنائها وسد عوز العاجزين منهم، وتأمين المسكن والغذاء والتعليم والعلاج، واتخاذ كافة السبل التي من شأنها أن يعيش أبناء الإمارات والمقيمون على أرضها آمنين مطمئنين، على عقائدهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

ولم تكتف قيادتنا الرشيدة بتطبيق التكافل بمفهومه الضيق، وإنما أخذته بالمفهوم الشامل له، من حيث الاهتمام بتربية النشء وترقية شخصيته وتهذيب سلوكه، بل ذهبت بهذا المفهوم إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية، من حيث ربط أبناء الشعب بقيادته، فاتبعت سياسة الباب المفتوح لتشارك أبناء شعبها في أفراحه وأتراحه، دونما حاجب أو حاجز.

ولم يتوقف عطاء الإمارات عند أبناء شعبها في الداخل فقط، بل كانت في قلب الأحداث وفي كل الملمات، متواجدة بكافة هيئاتها ومؤسساتها، لتضمد الجراح وتواسي الثكالى وتسد حاجة المعوزين، بل وتشارك في بناء البنية التحتية وصنع التنمية.

ليس في محيطها العربي الذي تأتي فلسطين الجريحة في مقدمة قضاياه، والتي ترجمت دولتنا تضامنها السياسي والمعنوي مع شعبها الشقيق إلى دعم اقتصادي مستمر لأبنائه، سواء داخل الأراضي المحتلة أو تجاه اللاجئين في الشتات.

بل تعدى تقديم الإمارات لمساعداتها مظاهر العرق واللون والجنس، ليشمل كل من ألم به خطب يقتضي شد الأزر والمساعدة، والشواهد على ذلك لا تعد، لكن أقربها توجيه القيادة بعمل جسر جوي لنجدة المتضررين من ضحايا الزلزال في هاييتي.

والإمارات، وهي تقدم هذه الأيادي، ليس للمن أو التباهي، وإنما بدافع أخلاقي والتزام إنساني أخذته علي عاتقها منذ عقود، وأكدته عام 2008 في الأمم المتحدة، حين جددت التزامها بتفيذ برامج المساعدات والمشاريع الإنمائية طويلة المدى، للبلدان المتضررة من الكوارث الطبيعية والصراعات المسلحة، لتضرب أروع الأمثلة في التكافل على المستوى الإنساني.

ولم تقتصر أشكال التكافل في الإمارات على المؤسسات الرسمية للدولة، بل انطبع به سلوك أبنائها، إضافة إلى هيئات ومؤسسات المجتمع المدني التي قامت بأعمال جليلة.

وكانت نداءات الخير في أجهزة الإعلام وما حققته في شتى بقاع الأرض، أكبر استفتاء معلن لاندفاع أبناء هذا الشعب نحو إغاثة الملهوفين.

ومن هنا فإني أوجه الدعوة لكل الخيرين أن يستمر هذا البذل ويزيد، لتظل إماراتنا منبع الخير والعطاء، ولتضرب أبهى نماذج التكافل محليا ودوليا (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com