هيئة الإذاعة البريطانية المشهورة بالحروف الثلاثة (بى. بى. سى. ـ )B.B.C.، تحظى منذ عقود كثيرة بمكانة رفيعة بين الإذاعات ووسائل الإعلام العالمية. كوّنت الB.B.C. هذه السمعة الطيبة في البداية بمصداقيتها العالمية، لما كانت تلتزمه في ما تذيعه من أخبار وتعليقات، من حياد وموضوعية غير معهودين في ما تبثه الإذاعات الأخرى. إن الحياد التام والموضوعية الكاملة، هدفان يكادان أن يكونا في حكم المستحيل، ولكن من المؤكد أن المستمعين للإذاعة البريطانية وثقوا بها، أكثر من ثقتهم بمعظم الإذاعات الأخرى.

أذكر أيضا أن القسم العربى في الإذاعة البريطانية، كان يتسم أيضا بمهنية عالية (بالإضافة الى هذه الدرجة غير المألوفة من الحياد)، فكانت اللغة العربية المستخدمة صحيحة دائما وراقية، والبرامج التي تقدمها تتسم بحسّ فنى رفيع.

فلما جاء عصر التليفزيون، اكتسبت قنوات الB.B.C. بدورها احترام مشاهديها، إذ كانت تقدم لهم نشرات أخبار لها نفس حياد الإذاعة البريطانية، وبنفس الرقيّ والهدوء في الأداء، وبرامج تراعي الذوق السليم، وتمثيليات على أعلى مستوى من الإتقان. لقد شاهدت على قناة الـ B.B.C. (كما شاهد غيري في مختلف أنحاء العالم) مسلسلات درامية راقية للغاية.

موضوعا وإخراجا وتمثيلا، كثير منها يقوم على روايات عالمية كلاسيكية، وعلى الأخص لكبار الأدباء الإنجليز، فأصبحت هذه المسلسلات أو الأفلام، أعمالا كلاسيكية بدورها، تتميز بوضوح عن أي إخراج آخر لنفس هذه الروايات، في السينما أو قنوات التليفزيون الأخرى، بحيث يستطيع المرء أن يطمئن، إذا رأى اسم الB.B.C. على شريط الفيديو الذي يتضمن رواية من هذه الروايات، إلى أنه سيحصل به على أفضل المتاح من الصيغ التي أنتجت بها هذه الرواية.

لاعجب، والحال كذلك، أنه في استطلاع حديث للرأي بين البريطانيين، عن أي الأشياء يعتبرونه مصدرا للفخر ببلادهم، احتلت هيئة الإذاعة البريطانية مرتبة عالية جدا في الإجابات.

هيئة الإذاعة البريطانية ليست شركة خاصة، ولكنها بالضبط هيئة حكومية. إنها تابعة للدولة، ولكن القانون ضمن لها درجة عالية من الاستقلال عن الحكومة وعن أهوائها المتقلبة وتحيزاتها، بأن جعلها خاضعة لرقابة السلطة التشريعية (البرلمان)، وليس لرقابة الحكومة.

هكذا حصل القائمون على هذه الهيئة على حرية كبيرة، سمحت لهم بالتزام هذه الدرجة من الحيادية، بل وسمح لها بتوجيه النقد للحكومة، وإن كان هذا وذاك في حدود معينة، يفرضها خضوع السلطة التشريعية نفسها لاتجاهات حزب الأغلبية، وهو الحزب الحاكم.

أدى كل هذا إلى تميز برامج الإذاعة وقنوات التليفزيون الصادرة من الB.B.C.، عما تبثه برامج الإذاعة وقنوات التليفزيون الخاصة التي يحكمها دافع تحقيق أقصى ربح ممكن. الB.B.C. لا تسعى إلى تحقيق أقصى ربح، بل تهدف الى تحقيق مصلحة عامة. والسعي لتحقيق مصلحة عامة قد يجلب بعض الأرباح، ولكن ليس أقصى الأرباح. إن أقصى الأرباح تأتي من إرضاء أذواق الجماهير الغفيرة وتملقها، بينما كثيرا ما يتطلب السعي الى مصلحة عامة الخروج على ما تريده الجماهير، ومحاولة الارتقاء بها بدلا من تملقها.

إنى أكتب هذا اليوم بسبب ما تواترت به الأخبار في الشهور الأخيرة، عن أن هيئة الB.B.C. (بإذاعتها وقنواتها التليفزيونية) تخضع لأخطار شديدة وضغوط قوية، لتقليص حجمها وتضييق نشاطها، والتنازل عن جزء كبير مما تحصل عليه من الدولة من إيرادات ضريبة التليفزيون، التي يدفعها الجمهور للحصول على رخص باستخدام التليفزيون أو تجديدها، مما يهدد بالطبع بحرمان الجمهور من خدمات متميزة، إعلامية وثقافية، لا تقدمها إلا الB.B.C..

الضغوط إذن، هي في سبيل «خصخصة» جزء كبير من نشاط الB.B.C.، وهذه الضغوط تأتي بالطبع من شركات القطاع الخاص التي تشتغل في نفس الميدان، والتي تشعر بمنافسة حادة من الـ B.B.C التي تسلب جزءا كبيرا من جمهورها، وتحرمها مما يمكن أن تحصل عليه من أموال الضريبة، فتقلل من معدل أرباحها.

القضية في نظري مهمة، لأنها تلخص الصراع الأبدي بين القطاع الخاص والعام، بين هدف تحقيق أقصى ربح، وهدف تحقيق خدمة عامة. ولكن القطاع الخاص لا يطرح القضية بالطبع على هذا النحو، أي على أنه صراع بين مصلحة خاصة ومصلحة عامة، بل يطرحها على أنها صراع بين منتجين يستلهمون رغبات الجماهير، وبين سلطات حكومية تفرض على الناس أشياء قد لا يريدونها.

هذا الصراع أو الخلاف، يجري في وقت تتكاثر فيه الشكوى من جانب هيئات مهتمة بالصحة العامة، أو بمصالح الأطفال وصغار السن، من أن وسائل الاعلام الخاصة، وخاصة التليفزيونية منها، مسؤولة إلى حد كبير، بما تبثه من حملات الدعاية والإعلان، عن إقبال أعداد متزايدة من الناس، وخاصة من صغار السن، على استهلاك سلع ضارة بالصحة، وتسبب انتشار السمنة لكثرة ما تحتويه من نشويات وسكريات، فضلا عن زيادة الإقبال على المشروبات الكحولية وغيرها، مما تجد وسائل الإعلام مصلحتها في الترويج له، لما تجلبه لها الإعلانات من أرباح.

هيئة الB.B.C. لا تسمح لبرامجها وقنواتها بإذاعة أي نوع من الإعلانات، اللهم إلا ما كان إعلانا عما تذيعه هيئة الB.B.C. نفسها من برامج، أو ما تنظمه من حفلات الموسيقى الكلاسيكية بأسعار زهيدة للجمهور.

المسؤولون عن الB.B.C. يردون على الحملات الداعية إلى خصخصتها بأنهم، مع التزامهم بتحقيق المصلحة العامة، استطاعوا أن يضيفوا للاقتصاد البريطانى 6,7 مليارات جنيه إسترلينى (12 مليار دولار) سنويا، بما يقدمونه من خدمات وسلع وما يخلقونه من فرص وظيفية.

ويأملون في أن تخفف هذه الحقيقة من شدة الضغوط التي يتعرضون لها، ولكن الخطر يتزايد، والمتوقع أن يتحول الخطر إلى واقع، إذا نجح حزب المحافظين في الحلول محل حزب العمال في الانتخابات القادمة.

فإذا حدث هذا، فالأرجح أن تخضع الB.B.C. (أو على الأقل جزء كبير من نشاطها) للخصخصة، وسوف يبرر هذا بأن القطاع الخاص هو دائما أكثر كفاءة من القطاع العام، وأقل تبديدا للموارد.

ولكن إذا تحققت هذه الخصخصة، فالسبب في الحقيقة ليس أن الخصخصة أثبتت أنها دائما أكثر كفاءة من الملكية العامة، بل أن المنتصرين لها هم، في الوقت الحاضر على الأقل، أكثر ضراوة وأعلى صوتا.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu