«الحميض» أو «الحماض» نبتة برية طعمها ليموني تنبت بعد سقوط الأمطار بأسبوع تقريبا، ويذهب الناس إلى البرية بحثا عنها، وبعضهم يأتي بها إلى السوق فتباع بالكيلو، ويأكلها أهل الإمارات كنوع من السلطة، مثل الفجل والجرجير، لا يتواجد الحميض على الدوام، وإنما يأتي كهدية من هدايا الصحراء، سنويا وفي مدة زمنية قصيرة، فان لم يجمع في ميقاته المناسب، أزهر وكبر وفقد لذته.
والحميض الصحراوي يختلف عن الحميض الجبلي، وهذا الاخير افضل ووريقاته اكبر، اقرب الى ورقة الريحان او النعناع، ويتكون بين شقوق الصخور في الجبال، ولصعوبة جمعه لا يذهب اليه الاهالي مثلما يذهبون الى الصحراء لجمع حميض البرية، ولكن اهل الجبال يأتون به الى الاسواق، او يأتي على هيئة هدايا، هو ايضا هدية الجبال بعد موسم الامطار.
في مواسم جمع الحميض تجتاح الصحراء والتلال امواج من الناس تتوزع في الفضاء الترابي، خاصة في العطلات، لكن يبدو اننا نفقد هذا الطقس، وهذه العلاقة مع الصحراء وعطاياها، كلما أوغلنا في المدنية، مثلما بدأنا نفقد كثيرا من التفاصيل، لربما هي بسيطة، لكنها في ميزان ثقافة البيئة، لها وزنها وثقلها.. «الحماض»، ظهر منذ أسبوع وبدأ يزهر وتخشن فروعه الصغيرة، انتظر طويلا ولم يذهب إليه احد..
احد الأصدقاء وكنت أتحدث معه عن ضرورة القيام برحلة لجمع الحميض، علق قائلا: اسكت عن لا يسمعونك، فيه ناس في السوق أيبيعون اللي ما يخطر على بالك، لو سمعوك ولو اكتشفوا الحماض، بتشوفه في ثلاجات السوبرماركتات مقطع ومغلف ومجمد ومضاف له مواد حافظة، تشتريه في كل المواسم وكل الأوقات، لا تنتظر مطر ولا مواسم.
هذا إذا ما زرعوه واترسوه بالمواد الكيماوية اللي تحسن من شكله ولونه، وتشوف الحماض يلمع مثل ما يلمع التفاح في الجمعية، لدرجة انك تتحسبها لعبة، أو مصنوعة من نايلون..بتشوف الحماض أحجام وألوان، مثل ما تشوف ألوان الخضروات بعد معالجة جيناتها الوراثية..
وليس بعيدا ان تقرأ على اكياس الحميض..«حميض أميركي قطفة أولى.. يأتيك من مزارع كاليفورنيا».. ومب بعيد ترتفع أسعاره حينما يعرف تجار الاحتكار انه سلعة مطلوبة من المواطنين، فتتضخم أسعاره، بلا مبرر، مثلما هي الأسعار عندنا..
وحينما تسير أمور الحميض في الأسواق ويصبح سلعة مسجلة في وزارة الاقتصاد، لا تستبعد ان يقرر مواطن الدخول على الخط، حينما يرى أن الغرب استفادوا من حميض بلاده وهو يالس بلا «مهرة»، فيأتي به معلبا بأسماء محلية مئة بالمئة.. حميض لهباب، حميض السرة، حميض الفلي، وحميض العراقيب، وفي النهاية ما يحصل «دكة» يبيع عليها!!
