القرن العشرون كان قرنَ الولاياتِ المتحدةِ بلا منازع، فقد فرضت الأوضاع الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، هيمنة الولايات المتحدة على معظم القارة الأوروبية وأجزاء كبيرة من العالم، وانطلق الاقتصاد الأميركي بسرعة كبيرة، ليفرض خيوطه على معظم الأسواق الحيوية في العالم.
كما فرضت الولايات المتحدة هيمنتها على أهم مصادر الطاقة العالمية، واستطاع الغرب بقيادة واشنطن أن يجر الاتحاد السوفييتي على سباق تسلح واسع النطاق أرهق الاقتصاد السوفييتي بشكل كبير، وأغلقت أبواب الأسواق العالمية أمام الاقتصاد السوفييتي، الذي لم يجد سوى أسواق البلدان التي تدور في فلكه، فاضطر لإعطائها الكثير دون مقابل يذكر.
وهكذا لم يكد يأتي العقد الأخير من القرن العشرين، حتى تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق نصرٍ بدون حرب على الاتحاد السوفييتي، أدى إلى انهياره وتفتيته إلى خمس عشرة دولة، بعد أن تفتت المعسكر الاشتراكي جميعه.
لقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي بمثابة انتصار كبير للولايات المتحدة، لكن نشوةَ ذلك النصر على ما يبدو أفقدت واشنطن صوابَها، لدرجةِ أنها أصبحت ترى أن من حقها أن تستأثر بقيادة العالم، وتفرض على الآخرينَ آراءها وقراراتها، دون مشورة ودون احترام لأية قوانين أو معاهدات أو مواثيق دولية، ووصل بها الأمر إلى حد استخدام القوة في فرض إرادتها وهيمنتها، دون أية مرجعية دولية، أو حتى إجماع من الدول الحليفة لها.
هذا الأسلوب أجج مشاعر العداء والكراهية تُجاه الولايات المتحدة لدى الكثير من دول وشعوب العالم، كما أنه أغضب الكثير من الدول التي طالما كانت من أكبر الحلفاء للولايات المتحدة.
ولقد تجلى ذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، تلك الأحداث التي كانت بمثابة فرصة كبيرة للولايات المتحدة، لتكسب تعاطف ودعم دول العالم كلها لها لو كانت استغلتها بشكل منطقي وعادل. لكن واشنطن على ما يبدو، كانت لا تزال تشعر بنشوة انتصارها على الاتحاد السوفيتي، وأنها القوة الوحيدة في العالم التي يجب على الآخرين أن يصغوا لها ويطيعوها، بلا نقاش ولا اعتراض.
ومن هذا المنطلق أطلقت واشنطن حملتها على الإرهاب الدولي، دون الرجوع لأحد ودون إعطاء أي اهتمام للأمم المتحدة والمجتمع الدولي، ورفعت شعارها الاستفزازي (من ليس معي فهو ضدي)، الأمر الذي لقي اعتراضات واسعة من أقرب حلفائها، وانعكس هذا في الموقف الذي اتخذته كل من ألمانيا وفرنسا تجاه غزو العراق.
واستمر بعد ذلك نمو حالة الاعتراض والامتعاض من سياسات واشنطن، حتى جاءت الأزمة المالية العالمية، ليتحول الامتعاض والاعتراض إلى هجوم وانتقاد واضح لسياسات واشنطن، واتهامات مباشرة لها بأنها السبب في اندلاع هذه الأزمة.
لقد عرقلت الولايات المتحدة، باستخدامها القوة، مسيرة التطور الطبيعي، ولم تستوعب واشنطن جيدا درس انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان بمثابة فرصة ذهبية لها لتجعل القرن 21 قرنا أميركيا بالفعل، لو كانت تخلت عن أساليب القوة، واهتمت بتوسيع نفوذها الاقتصادي والمالي في كل أنحاء العالم. لقد خاضت واشنطن في نفس المستنقع الذي خاض فيه الاتحاد السوفييتي وأدى لانهياره، فقد اهتمت بمنطق القوة والعسكرة وأهملت منطق البناء والتنمية.
ولكن الاتحاد السوفييتي كان يسلك نهج القوة والعسكرة وأمامه عدو يقارن نفسه به، أما الولايات المتحدة فانتهجت نهج القوة والحرب والعسكرة، دون وجود عدو فعلي ملموس أمامها، الأمر الذي جرها لمنعطف منحدر بشدة، لا تستطيع التوقف فيه أو التراجع عنه.
وهذا ما لمسناه جيدا في سياسات الرئيس أوباما تجاه الحرب في أفغانستان، والبقية ستأتي في اليمن والصومال، وربما في إيران وغيرها.
وكل ذلك يعني بوضوح أن الانهيار آتٍ لا ريب فيه، وأن العصر الذهبي للولايات المتحدة قد أوشك على الانتهاء.
كاتب روسي