فرنسا بعد أن جرّت معها الاتحاد الأوروبي، مهتمة هذه الأيام بقضايا الحجاب الإسلامي والبرقع الأفغاني والنقاب، وربما غدا العمامة والسروال البنجابي والغترة والعقال.
خلال أسبوع، سيصدر البرلمان الفرنسي قانونا يحظر ارتداء البرقع (أو البورقا) الأفغاني على أراضي الجمهورية الفرنسية. والبرقع الأفغاني هو الثوب الذي ترتديه المرأة الأفغانية عادة ومنذ قديم الزمان، عند خروجها من البيت ليغطي كامل جسدها.
الحقيقة أن هذا الزي أصبح مثله مثل أي زي وطني آخر في العالم، كالدشداشة والعباءة والغترة والعقال والبدلة الأوروبية والقفطان المغربي والكيمونو الياباني والساري الهندي، والتنورة الاسكتلندية ذات المربعات والتي يلبسها الرجال في اسكتلندا، على عكس التنورة المصرية التي تلبسها عادة طالبات المدارس، يشكل جزءًا من عادات وتقاليد أي بلد، ولكن «البرقع» لم يشتهر كثيرا إلا بعد أن لمع نجم تنظيم طالبان في أفغانستان.
فارتبطت صورة البرقع بحركة طالبان التي فرت من كابول تحت أطنان القنابل التي ألقيت عليها من طائرات البي أف 52، ثم عادت لتنظم نفسها في الآونة الأخيرة وتحصد بالمئات أرواح الجنود الأوروبيين المتواجدين على أراضي أفغانستان للدفاع عن نظام كابول الجديد. فلا يمر يوم إلا ويسقط العشرات من الجنود، الذين زج بهم في بلد يكاد يكون مهجورا ومعدما إلا من رائحة الموت.
الواقع أن حرب الأزياء هذه (ولا يدخل ضمن الأزياء بالطبع الزي الأوروبي الراقي كربطة العنق التي على شكل صليب، ولا منديل الرأس الذي كانت تضعه صوفيا لورين ومارلين مونرو، والذي عادة ما تلبسه الراهبات، ولا أي شكل من أشكال الأزياء التي قد يرتديها الأوروبي، سواء كان رجلا أم امرأة!) بدأت قبل 20 عاما! وبشكل أدق عام 1989، وتحديدا في فرنسا، وبالخصوص في ما يتعلق بالحجاب الإسلامي في المدارس.
ومن فجر هذه القنبلة الموقوتة امرأة اسمها غزلان أوتينهايمر، وهي مراسلة صحفية كتبت تقريرا عن معركة دارت رحاها بين أهالي تلميذات مغربيات يعشن في إيبينال، وأساتذة المدرسة التي تنتظم فيها هذه التلميذات طالبات العلم والثقافة الفرنسية.
وتناولت بعدها صحف فرنسا الخبر ليصبح حديث الساعة. فبينما ينادي الأساتذة بالتزام مبدأ العلمانية المطبق في فرنسا، يطالب أهالي الطالبات باحترام حرية التعبير، ومنها حرية الدين وما يتعلق به، خاصة وأنه لا توجد في القانون الفرنسي أي تعريفات أو أشكال تبين شكل الزي العلماني الذي تجب مراعاته والالتزام به، أو الشكل الذي يجعل من الزي علمانيا!
بعدها تطور الأمر وبدأت قضية الحجاب تأخذ مجرى آخر خارج سور المدرسة، ودخلت الحكومة طرفا في القضية إلى جانب الأساتذة والمعلمين. وخلال أشهر تم فصل طالبة عمرها لا يتجاوز السابعة عشرة، من إحدى المدارس الفرنسية لنفس السبب: الحجاب. وكانت وقتها قضية سلمان رشدي تحتل مساحة دولية، كبداية لمعركة طاحنة طرفاها المسلمون والغرب. ونزل المتظاهرون في شوارع باريس بين رافض ومؤيد.
وفي النهاية، صوت البرلمان الفرنسي وأصدر قانون 14 مارس 2004، الذي يحظر ارتداء أي رمز ديني في المدارس الحكومية في إطار العلمانية. وحتى اليهود وجماعات السيخ الهندية طالهم الأمر ورفعوا احتجاجاتهم. ترى كيف نقنع السيخ برمي العمامة التي تمثل رمزا تاريخيا بالنسبة لهم؟ (مع السماح للمسيحيين واليهود بحمل رمز الصليب ونجمة داوود!).
المسألة أكبر من قضية حظر. إنها ترمي إلى دمج المسلمين المقيمين في فرنسا في المجتمع الفرنسي، حتى تذوب هويتهم الدينية والفكرية والثقافية في بوتقة الثقافة والفكر الغربي العلماني، كي لا يمثل الإسلام في فرنسا مع مرور الوقت سوى ما تمثله اللغة اللاتينية اليوم في جامعات أوروبا.
نحن نعذر الفرنسيين بالطبع، فالإسلام يشكل اليوم ثاني عقيدة في فرنسا بعد المسيحية، وربما يكون أكبر عقبة في سبيل الاستعمار الجديد في الشرق الأوسط. وهناك تخوف أصبح علنيا، من أن الإسلام بدأ ينتشر في جميع الاتجاهات وبشكل واضح في القارة الأوروبية، رغم إلصاقه عنوة بصفة الإرهاب.
وهناك توقع بأن يصبح الإسلام الديانة الأولى في كافة أوروبا، من بريطانيا إلى حدود تركيا، في أقل من عشرين عاما. وهذا يمثل سيلا جارفا للكنيسة المسيحية ولليهودية لا أحد يستطيع رده أو وقفه.
ومشروع قرار حظر «البرقع» الأفغاني لن يطبق فقط في حدود المدارس الحكومية، وإنما على كافة الأراضي الفرنسية.. لأنه حسب رأي البرلمانيين، مغاير لقيم الجمهورية الفرنسية: الحرية، الأخوة وكرامة الإنسان!
الغريب في الأمر، أنه بينما العالم مشغول هذه الأيام بزلزال هاييتي (أول جمهورية تنال استقلالها عن فرنسا عام 1804 بعد ثورة أجبرت جيش نابليون على التخلي عنها!) المدمر الذي أودى بحياة عشرات الألوف من البشر، فضلا عن الجرحى والمشردين وانعدام الماء والطعام.
وبينما الأزمة الاقتصادية العالمية خلفت وما زالت تخلف ملايين العاطلين عن العمل، والحروب تضرب يمنة ويسرة، والفقر تزداد رقعته، والبيئة تهدد البشرية بأسرها بالغرق والفيضانات والحرارة.. رغم كل ذلك وغيره، يجلس أعضاء برلمان فرنسا بهدوء لمناقشة البرقع الأفغاني!
وهذا يدل على أن فرنسا لم تعد لديها مشاكل هامة، كما هو الحال في ألمانيا وبريطانيا وإسبانيا والولايات المتحدة الأميركية وروسيا... وهذا أمر يثلج صدورنا، عندما نلقي نظرة على كوكبنا وعلى البشر من على بعد 500 مليون سنة ضوئية.
في النهاية، هي حرب أزياء لا أكثر.. رغم أن العرب والمسلمين من أكثر شعوب العالم شراء للأزياء الفرنسية.. فهل نعاملهم بالمثل؟!
جامعة الإمارات