الأوساط السياسية والعسكرية والفكرية الأميركية، تشهد راهناً حالة نادرة من الجدل المحموم حول فعالية أجهزة الاستخبارات متعددة الأسماء، في إسناد ما تدعوه واشنطن «الحرب على الإرهاب».
يجري هذا على خلفية الادعاء بتلاحق مظاهر فشل هذه الأجهزة في توفير الحماية الذاتية لنفسها، ناهيك عن أداء دورها، بعد مصرع بعض قادتها في عقر موقع لهم في منطقة خوست الأفغانية نهاية 2009.
قبل حادثة خوست، كان النشاط الاستخباري الأميركي عموماً موضوعاً للنقد والتقول. وقد جاءت هذه الحادثة من ناحية، ثم اختراق الاحتياطات الأمنية لإحدى الطائرات المدنية، التي كادت تذهب ومن عليها ضحية إهمال أمني وسوء استخدام لمعلومات متاحة بالفعل من ناحية أخرى، لكي تطلق الألسنة بمزيد من التجريح.
والعبرة هنا أن الحادثة الأولى أنبأت عن فشل الاستخبارات على الصعيد الخارجي، فيما أكدت الثانية أن احتلال أفغانستان بالكامل ومطاردة فلول تنظيم القاعدة وحركة طالبان لثمانية أعوام بطولها، لم تكف لتأمين الداخل الأميركي من أعراض «الإرهاب الدولي» وأيادي المتطرفين.
اللافت ضمن أشياء أخرى، بالخصوص، أن الذي تولى الخطوة الافتتاحية في التعرض لسلبيات الأجهزة الاستخبارية، هو الرئيس الأميركي باراك أوباما نفسه. وبمجرد أن باح الرجل بتقييمه المشوب بالامتعاض، نسج الكثيرون على منواله وراحوا يدلون بدلوهم في الأمر.. وهذا يذكرنا بتقاليد النظم العالمثالية، التي لا يجرؤ أهل الذكر والمسؤولون فيها على كشف المستور، إلا بعد إشارة خضراء من الزعيم الملهم!
القصد أن شهادة الرجل الأول في البيت الأبيض، مهدت لاندياح شهادات بعض متنفذي الصفوف التالية، وكان من أبرزهم الجنرال مايكل فلين قائد الاستخبارات العسكرية الأميركية في أفغانستان، الذي قدم نموذجاً للنقد العنيف حين رمى أجهزة المخابرات بالجهل والتشويش والانعزال عن الشعب الأفغاني..
ومضي إلى أن الولايات المتحدة لا تعرف حقيقة الساحة الأفغانية، وأن مخابراتها عاجزة عن تفهم الأجواء التي تعمل فيها، وأنها «تواجه مشاكل سلوكية وثقافية وإنسانية».
أحد عيوب إدارة أوباما الديمقراطية في عامها الأول، أنها عرضت على المعنيين، الذين اكتووا بسياسات الإدارة الجمهورية السابقة تحت زعامة بوش الابن، بضاعة من الكلام الواعد بتخفيض الاعتماد على عنصر القوة الباطشة.. لكنها في الواقع انحرفت عن وعودها بشكل ملحوظ، إلى دروب سلفها غير الصالح. وكان من آيات هذه الانتكاسة إقرار إضافة 30 ألف جندي إلى حجم القوات الأميركية في أفغانستان.
شهادة الجنرال فلين توحي، وربما تؤكد، بأن إدارة أوباما لا تخلو من الرؤوس الحكيمة، القادرة على توصيف نقاط ضعف السياسة الخارجية الأميركية.
ولأن فلين يضطلع بإدارة الجانب الاستخباري العسكري من هذه السياسة، في واحدة من أكثر الساحات سخونة وفوراناً، فإن السؤال الجدير بالإثارة يتعلق بموجبات توجيه النقد والتقريع للاستخبارات الأميركية عموماً، وهي التي يملك بعض قادتها فهماً صحيحاً للقضايا على النحو الذي يعبر عنه نموذج فلين؟
السؤال بصيغة أخري؛ ما الذي يحول بين فلين وبطانته من الاستخباريين الواعين نافذي البصيرة، وبين تطبيق نظرياتهم؟! هناك مجال للزعم بأن الساسة والعسكر لا يعملون دوماً بنصائح الأجهزة الاستخبارية، بل وأنهم يلوون أحياناً عنق هذه الأجهزة وما تقدمه لهم من معلومات وحقائق، كي توافق أهواءهم ومصالحهم وخططهم.
أشياء من هذا القبيل حدثت بين يدي الغزو الأميركي البريطاني للعراق، يوم تلاعب البيت الأبيض في واشنطن ورئاسة الوزراء في لندن، بالمعلومات الاستخبارية حول أسلحة الدمار الشامل التي «لا يملكها» نظام صدام حسين، وسخروا كل أدواتهم الإعلامية الدعائية والدبلوماسية لتسهيل قرار الحرب.
في شهادته أمام لجنة تشيلكوت للتحقيق في قرار الحرب البريطاني على العراق عام 2003، أقر ألسيتر كامبل مدير مكتب توني بلير، رئيس الوزراء حينها، بأن الأخير كان قد اتفق مع بوش الابن على تأييده ومشاركته في غزو العراق، قبل عام كامل من الحرب..
وذلك «دون أن يطلع أحد على الاتفاق غير مستشاره السياسي ديفيد مانينغ، وكذا قبل التأكد من وجود أو عدم وجود أسلحة دمار شامل لدى النظام العراقي السابق، ورغم يقين بلير بأن الغزو سيكون مخالفاً للقانون الدولي..». الشاهد في كل هذا، أن أكثر النظم ادعاء للديمقراطية وفصل السلطات والشفافية، قد تعاني من ضبابية العلاقة بين المؤسسات، وعدم وضوح حدود اختصاصات مؤسسة بعينها، لتبدأ صلاحيات مؤسسة أخرى.
كما أنها تعرف ظاهرة طغيان مؤسسات على أخرى، وتهرب بعض كبار المسؤولين من تحمل توابع قراراتهم، مع الاجتهاد في إلقاء العبء وإضفاء العيب على آخرين، وتعمد خرق أصول الشفافية في الداخل، وقواعد القانون الدولي في الخارج.
كاتب وأكاديمي فلسطيني