أثير سؤال حول إنشاء المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية في إحدى جلسات المجلس الوطني الاتحادي، حيث وجه أحد الأعضاء هذا السؤال إلى سمو وزير الداخلية ورئيس المجلس المأمول منه معالجة موضوع الخلل في التركيبة السكانية في الفترة المقبلة، متمنياً هذا العضو الإسراع في تأسيس هذا المجلس.

جميل أن يطرح هذا الموضوع في أروقة المجلس وأن يثار باستمرار، فهو أحد أهم التحديات الخطيرة التي تواجه مجتمع الإمارات.

والغريب في هذا التحدي أن عمره من عمر الدولة الاتحادية، فنحن منذ نعومة أظافرنا نسمع عن خطر التحدي السكاني الذي يعاني منه مجتمع الإمارات، وتراجع نسب المواطنين من إجمالي عدد سكان الدولة من عام إلى آخر، كبرنا وكبرت المشكلة وما زالت كما هي، وما زالت التصورات والأخطار التي تُردد منذ ثلاثين عاماً تُردد إلى يومنا هذا.

ولا أبالغ إذا وصفت المشكلة بأنها أصبحت إحدى مكونات وجداننا الوطني، وأصبحت هي المسؤولة عن جملة كبيرة من تصرفاتنا وسلوكياتنا، على الأقل تجاه موضوع العمالة، وهو أحد الأسباب الرئيسية المساهمة في الخلل الذي يعاني منه المجتمع.

وعلى الرغم من تعدد أنواع العمالة الوافدة إلى الدولة وتعدد الجهات المنتسبة إليها، إلا أنني أود هنا أن أضرب أحد الأمثلة التي عايشتها عن قرب وصدق تجاه هذا الموضوع، وخاصة في ما يتعلق بالعمالة المنزلية ووجهة نظر المجتمع تجاهها. فهناك إحدى الصديقات المقربات.

وهي موظفة وربة منزل في الوقت نفسه وأم لعدد من الأطفال، وكانت مكتفية فقط بخادمة واحدة تساعدها في تدبير شؤون المنزل والاعتناء بالأطفال أثناء غيابها في العمل، الذي يستغرق من وقتها الكثير.

مع الوقت ازدادت مسؤوليات الأم والأعباء الملقاة على عاتقها، وأصبح عبء المنزل واحتياجاته كثيرة بحيث أصبحت خادمة واحدة لا تكفي، ولكن الأم المسكينة التي تربت وتأثرت بالمفاهيم الوطنية.

وخاصة مفهوم الخلل السكاني ومدى خطورته على المجتمع ـ حيث ما زالت تلك الصديقة تتذكر مدرّسة التربية الوطنية وهي تصيح بأعلى صوتها منبهة الطالبات في تلك الفترة المبكرة على خطر العمالة على التركيبة السكانية ـ فهذه الصديقة المسكينة تريد أن تصبح فرداً صالحاً في المجتمع.

ولا تريد أن تساهم في الخلل السكاني فهذا مبدأ وطني أخذته على عاتقها، ولكن كانت عندما تشرح وجهة نظرها للآخرين تجاه هذا الموضوع، تقابل بالاستغراب والتعجب من هذا الكلام وتكون الإجابة جاهزة.

حيث يقال لها: هل هناك اليوم في مجتمع الإمارات من يفكر في موضوع الخلل السكاني؟ وهل الخادمة الثانية التي سوف تجلبينها ستساهم في هذا الخلل؟! فالخلل موجود منذ سنوات طويلة ولا حل له.

أردت من سرد هذه القصة أن أبين أين يكمن بعض أسباب المشكلة السكانية. فعلى الرغم من تعدد الأسباب وتنوعها، ما بين أسباب تنموية واقتصادية وعمرانية، وهي نفسها الأسباب التي دائماً ما تسلط عليها الأضواء وتحمل عبء الخلل السكاني.

تبقى هناك الأسباب المجتمعية المتمثلة في طبيعة حياة الناس في دولة الإمارات، طبعاً البعض وليس الكل، حيث تميل طبيعة حياة هؤلاء البعض إلى نمط معين في الحياة؛ فكثير من الأسر اليوم تملك عدداً كبيراً من العمالة يفوق أحياناً عدد أفراد الأسرة نفسها.

بالإضافة إلى أن كثيراً من الأفراد في دولة الإمارات لديهم الكثير من الاهتمامات والهوايات، ناهيك عن امتلاكهم لمزارع وغيرها مما يتطلب توفير عدد كبير من العمالة؛ وفي الوقت الحاضر اتجهت شريحة من المجتمع نحو التجارة والاقتصاد تماشياً مع توجه الدولة الاقتصادي، وهذا أيضا يتطلب استقدام المزيد من الأيدي العاملة المتنوعة.

صحيح أن العمالة المنزلية والعمالة الفردية قليلة، مقارنة بالعمالة المجلوبة لتنفيذ الخطط التنموية المتوسطة والطويلة المدى الهائلة التي تعيشها دولة الإمارات اليوم، إلا أنها تبقى في الأول والأخير ثقافة مجتمعية، سائدة في المجتمع الإماراتي.

فماذا سيفعل المجلس السكاني المرتقب أمام خطط التنمية الهائلة والعقلية المجتمعية السائدة؟ أعتقد أن التحدي أمامه صعب جداً، وإن كان هناك العديد من الحلول المطروحة.

فبالإضافة إلى الحل الفوقي والمتمثل في ضرورة تقنين الهجرة الوافدة إلى المجتمع بكافة الطرق، تبقى هنالك الحلول المجتمعية والمتمثلة في الوعي بضرورة تغيير نمط الحياة في مجتمع الإمارات ليكون أكثر عملية، وضرورة تعليم النشء ثقافة الاعتماد على النفس وعدم الاتكالية.

ولا أخفيكم أنني كلما رأيت وقرأت عن خطط الإمارات التنموية المتوسطة والطويلة المدى، والمشاريع العملاقة العابرة للقارات التي تنوي الدولة أن تنفذها، ومستوى الخدمات والمرافق والتسويق العالمي الهائل لمدن الدولة، اشعر باعتزاز للإنجازات التي تحققت أو يجري التخطيط لها.

لكنني كلما فكرت في الخلل السكاني أو اقتربت من عقلية وثقافة المجتمع، أصاب بالهلع وأشك في إمكانية أي حلول جذرية لهذه المشكلة، التي ولدنا وكبرنا معها وأتوقع أن نهرم وأن نورثها لأبنائنا!

كاتبة إماراتية

F_mansouri78@hotmail.com