مرة أخرى تثبت الولايات المتحدة أنها قادرة على هزم الأوروبيين باللكمة القاضية في النزاعات، بل وحتى المآسي التي تظهر فيها روح تنافس الدول العظمى وطموحاتها. فبعد أن عجز الأوروبيون عن التخلص من ورم النازية في أربعينات القرن الماضي، هطل الجيش الأميركي بمؤازرة الاتحاد السوفييتي على المدن الأوروبية وحمى برج إيفل وساعة «بيغ بن» من أن يجرهما سيل هتلر المدمر.
وفي الثمانينات، كانت كلمة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان أمام بوابة براندنبورغ التاريخية في العاصمة الألمانية برلين وحمى الخلايا الثورية الناعمة التي دعمتها واشنطن في دول الكتلة الشرقية الأوروبية.
وتسلل العم سام إلى أروقة الكرملين، ما ساعد الأوروبيين على التخلص من عبء الشيوعية الذي نهش في جسد مجتمعاتهم وترك آثاراً واضحة بين شرقٍ متخلف وغربٍ متقدم.
أما في التسعينات، فقد هرع الأوروبيون، وقد أضحوا اتحاداً توهموه عملاقاً سياسياً، إلى البيت الأبيض ليطلبوا سيده النجدة؛ علها تنهي مسلسل التطهير العرقي الذي شاهده سكان أوروبا، وهم عاجزون عن التحرك، ومد يدهم لتغيير المحطة أو إسكات صوت آلة القتل. فكان لزاماً على الجيش الأميركي أن ينهي حربي البلقان بنسختيها البوسنية والكوسوفية، ويهندس عملية اعتقال الرئيس اليوغسلافي آنذاك سلوبودان ميلوسوفيتش تاركاً ل«بلاد التوليب» هولندا مهمة وضع أكاليل الزهور على نعش العجز الأوروبي ومحاكمة ميلوسوفيتش وقبره في زنزانته.
ترك الأميركيون آنذاك مسؤولية إعادة الإعمار للاتحاد الأوروبي، فهو وحده من يتوجب عليه تنظيف ما خلفه الضيوف خلال حفلة الحرب الصاخبة. واليوم وفي كارثة الزلزال الذي ضرب جزيرة هاييتي فهز معه وجدان الكثيرين، يتكرر المشهد الهوليودي من جديد بطريقةٍ تدعو الكثيرين إلى الشفقة على تكتلٍ امتد فضاع وكبر فصغر.
والمتتبع لما حصل ويحصل منذ أن حدثت الكارثة قبل نحو عشرة أيام يجد تخبطاً أوروبياً واضحاً في إدارة ملف الأزمة الإنسانية التي نشأت في أعقاب الزلزال وتباطؤاً فاضحاً في الطريقة المثلى التي يفترض معها تقديم المساعدات وتنظيم جهود الإغاثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في بلدٍ أضحى أثراً بعد عين.
أما الولايات المتحدة، فمارست على سبيل المثال وبذكاءٍ جلي لعبة الإعلام التي تجيدها عبر محطة «سي إن إن»، العضو الـ 16 في مجلس الأمن، والتي أعلنت النفير العام وحالة الطوارئ على مدار الساعة، ودفعت بجيشٍ عرمرم من طاقمها تجاه ساحة الكارثة في ما تسمر الإعلام الأوروبي، المغرق في قاريته والذي لا يملك تاريخاً كبيراً في تغطية أزمات مشابهة، مندهشاً أمام حيوية الإعلام الأميركي وسرعة بديهته.
على الأرض.. لم تملك فرنسا، المستعمرة السابقة لهاييتي، سوى الصراخ للاحتجاج على «فظاظة» الأميركيين بعد تأخر هؤلاء في السماح لطائرة فرنسية تنقل مستشفى ميدانياً من الهبوط في مطار العاصمة بور أو برنس الذي سيطر عليه الجيش الأميركي إلى جانب القصر الرئاسي تاركاً لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة دور الكومبارس.
ووصل الأمر بباريس إلى الطلب من المنظمة الدولية «تحديد دور الولايات المتحدة، لأن المطلوب هو مساعدة هاييتي وليس احتلالها»، وذلك في وقتٍ كان فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما يهاتف نظيره البرازيلي لويس لولا دا سيلفا ليعرض عليه تحالفاً ثلاثياً يضم كندا أيضاً لقيادة عمليات الإغاثة.
تناست واشنطن إذاً أي دورٍ للإليزيه والاتحاد الأوروبي في تلك الجهود، ولا عزاء لبروكسل التي لم تكلف نفسها عناء إرسال وزيرة خارجيتها كاثرين آشتون إلى هناك. في حين طارت نظيرتها الأميركية هيلاري كلينتون بعد 96 ساعة من الزلزال وظهرت في مؤتمرٍ صحافي من بين الأنقاض إلى جانب المسؤوليين الهاييتيين لتلقي خطبةً عصماء، بعد أن أصرت شخصياً على حضور كل وسائل الإعلام الهاييتية لتسجيل كلمتها.
على الأوروبيين أن لا يتساءلوا من اليوم فصاعداً عن سبب التهميش الذي يعانون منه على الساحة الدولية، بل لهم أن يتعلموا من درس الهزة. وحتى ذلك الحين، يبقى القول السائد في بور أو برنس.. واشنطن: مرحباً بكم في هاييتي.
