من غير المتوقع أن يتبدل الحال الفلسطيني الداخلي، بعد أن تكون انتهت مدة الأربع سنوات، وهي دورة المجلس التشريعي الفلسطيني وفق نصوص النظام الأساسي الذي هو بمثابة الدستور الفلسطيني.
بعد يومين، وبالضبط في الخامس والعشرين من هذا الشهر، تكون قد انتهت الولاية الدستورية للمجلس التشريعي، ويكون قد مضى عام على انتهاء الولاية الدستورية للرئيس محمود عباس، لكن ذلك لم يؤد إلى فراغ دستوري بقدر ما أنه سيؤدي إلى جولة أخرى من الجدل البيزنطي حول الشرعيات، لا يقدم ولا يؤخر في الواقع الفلسطيني، ولا في كيفية ومواقف تعامل الآخرين مع طرفي الانقسام.
إذا تجاوزنا الاجتهادات المتناقضة حول مدى قانونية استمرار الشرعيات الفلسطينية، وإذا تجاوزنا كذلك مسألة اعتماد سابقة استمرار المجلس التشريعي الأول لعشرات السنوات، فإن ثمة في النظام الأساسي ما يسمح بالاجتهاد إزاء مواصلة عمل الشرعيات، حتى لو لم يتم إجراء الانتخابات في مواعيدها المقررة.
فالنظام الأساسي الفلسطيني ينطوي على خلل أساسي واضح، إذ أنه نظام رئاسي وبرلماني، رغم رجحان كفة صلاحيات الرئاسة، الأمر الذي يعطي لاختلاف الفتاوى والتفسيرات بعض المشروعية.
الرئيس محمود عباس استند لاستمرار العمل في موقعه، إلى قرار من المجلس المركزي الفلسطيني، بما يدعم اجتهاداً مسبقاً يفيد بأن الرئيس لا يمكنه التخلي عن مسؤولياته طالما أنه قادر عليها، إلا في حالة إجراء انتخابات رئاسية عامة.
حركة حماس نزعت شرعية الرئيس منذ انتهاء ولايته القانونية بعد الرابع والعشرين من يناير العام الماضي، وقد عبرت عن معارضتها لقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير، وصدر عنها ما يفيد أيضاً أنها في الأصل لا تعترف بشرعية المجلس المركزي نفسه.
على كل حال، فإن شيئاً لن يتغير، طالما لم تتوصل فتح وحماس إلى اتفاق مصالحة، وطالما لم تتم الانتخابات، فالمجلس التشريعي سيظل مشلولاً وغير قادر على القيام بدوره، والرئيس سيمارس صلاحياته فقط حيث يمكن ذلك، وبدون أن تسري على قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس.
هنا يصبح الفلسطينيون أمام «شرعية» الأمر الواقع، المفروض عليهم بقوة عوامل الانقسام، الذي يتخذ أبعاداً وأعماقاً أشد خطورة، بعد أن شمل كل مناحي الحياة، وليس فقط على مستوى شرعية أو عدم شرعية السلطات وفق القانون. على أن هذه المسألة لم تكن المحفز الذي دفع أطرافاً عديدة لتحريك ملف المصالحة الفلسطينية، حيث نعثر على مشهد تتنوع فيه التحركات بين الاستقواء بآخرين، وبين ممارسة الضغوط.
قبل بضعة أيام صدرت عن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وعن قياديين آخرين في الحركة، تصريحات تحيي الآمال لدى الكثيرين بأن ثمة مصالحة قريبة، غير أنها لا تترك الأثر ذاته لدى الفلسطينيين العاديين، أو السياسيين الذين يدركون أن طراوة الحديث لا تعكس بالضرورة تبدلاً في المواقف.
فبعد جولته العربية، خصوصاً في دول الخليج العربية، دعا خالد مشعل إلى لقاء يجمعه بالرئيس محمود عباس، ليسبق حواراً يؤدي إلى المصالحة، وكان معنى ذلك لا يتجاوز مسألة إعادة شرح الموقف السابق لحركة حماس، الذي يرفض التوقيع على ورقة المصالحة المصرية.
إلا بعد أن تتاح للحركة فرصة إدخال بعض التعديلات على نصوصها. على أن المسألة لا تتوقف عند هذا الموقف الذي رفضه بسرعة الرئيس محمود عباس، مؤكدا أن لا لقاء إلا بعد توقيع ورقة المصالحة المصرية وفي مصر الشقيقة.
حيث إن خالد عبد المجيد، أمين سر المؤتمر الوطني الفلسطيني في دمشق وأمين سر لجنة المتابعة التي تضم ثمانية فصائل، بما في ذلك حركتا حماس والجهاد الإسلامي، أدلى بتصريح قال فيه إن ثمة مبادرة سعودية بشأن المصالحة الفلسطينية.
الحديث عن مبادرة سعودية، جاء بعد لقاء القمة بين الرئيس بشار الأسد وخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في الرياض، مما يترك انطباعاً بأن ثمة توافقا سوريا ـ سعوديا، يعمل على خط آخر، يستهدف نزع الوكالة الحصرية لمتابعة ملف المصالحة من يد مصر.
حركة حماس التي تدرك أبعاد ومخاطر مثل هذا التفسير، أكدت أن التحرك السعودي ـ السوري لا يشكل بديلاً عن الدور المصري، وإنما داعما ومكملا له، لكن من الواضح أن حماس وجدت لدى السوريين والسعوديين تفهماً أفضل لمواقفها إزاء ورقة المصالحة المصرية، التي اعتبرها خالد عبد المجيد «غير صالحة»، ولم يتوان عن التشكيك في نزاهة الدور المصري من أساسه.
مصر من ناحيتها، لم تبد أي استعداد أو إشارة إلى أنها يمكن أن تقبل بإعادة فتح الورقة المصرية للنقاش أو التعديل، وقد شرعت في إقامة إنشاءات على الجانب المصري من الحدود مع قطاع غزة، من شأنها أن تؤثر على العلاقات مع حركة حماس، التي ترى في ذلك إحكاماً للحصار على غزة، يتم بالتنسيق بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب.
أما على صعيد حركة فتح، فإنها لا تستطيع أن تفعل الكثير إزاء محاولات حركة حماس المدعومة سورياً وسعودياً، إن كانت تلك المحاولات تستهدف النيل من الدور المصري الذي يعتبر حيوياً ومركزياً بالنسبة للسلطة الفلسطينية، حيث لا مصلحة لفتح في تجاوز القاهرة، ولا تجرؤ السلطة على أن تقدم على ذلك أيضاً لأسباب سياسية بالدرجة الأولى.
على أن إعلان المجلس الثوري لحركة فتح، الذي انعقد الأسبوع الماضي، عن قراره بتشكيل لجنة خاصة بوضع استراتيجية جديدة لاستعادة قطاع غزة، يعكس قدراً من الانفعال واليأس إزاء إمكانية تحقيق المصالحة الفلسطينية.
وإذ لا نعلم ماهية الاستراتيجية الفتحاوية الجديدة، لاستعادة قطاع غزة، فإن الخيارات الممكنة لتحقيق ذلك تبدو محدودة جداً، ولكنها تنطوي على خطورة بالغة في حال اعتمدت أي أسلوب آخر غير الحوار، رغم أن خيار الحوار لم يثمر على مدار أكثر من سنتين ونصف، سوى تعميق الانقسام.
في ضوء هذه الوقائع المتناقضة والمتشابكة، وعناد مواقف الأطراف المعنية بالمصالحة الفلسطينية، فإن الأمل بتحقيق مثل هذه المصالحة، يكمن في ضرورة توحيد الموقف العربي، وفي مركزه الأساسي تحقيق توافق مصري ـ سعودي ـ سوري، وإلا فإن التناقضات العربية قد تؤدي إلى تعميق حالة الانقسام الفلسطينية أكثر فأكثر، بما يجعل إسرائيل عاملاً مقرراً وحاسماً إزاء مستقبل الوضع الفلسطيني.
كاتب فلسطيني
