هب العديد من دول العالم فور وقوع زلزال هاييتي، ترسل المساعدات وفرق الإنقاذ، وتوجهت أسراب الطائرات نحو هاييتي، وكان من المفترض أن تتولى جهة دولية تنظيم استقبال حملات الإغاثة والمساعدات القادمة، ولكن للأسف الشديد لم يحدث هذا، بل وقعت أمور غريبة.

لقد فوجئ الجميع بالولايات المتحدة تبادر فور وقوع الكارثة، بإرسال كتيبة عسكرية من الجيش الأميركي لتفرض سيطرتها على مدرج المطار، بحجة ضمان الأمن وتنظيم عمليات الإغاثة، في حين لم يطلب أحد من واشنطن هذا الأمر، وهي كعادتها لم تستشر أحد، كما نشرت البنتاغون أكثر من 10 آلاف جندي في هاييتي، ونشرت حولها سفنا حربية.

وأثارت هذه التصرفات اعتراضات شديدة من دول وجهات عدة، خاصة وأنه توجد في الجزيرة المنكوبة قوات أمن دولية، تترأسها البرازيل بتكليف من الأمم المتحدة، ومن المفترض عدم توجه أية قوات عسكرية أخرى هناك إلا بإذن من الأمم المتحدة، لكن واشنطن فاجأت الجميع بتصرفاتها هذه، وبعد أن سيطرت القوات الأميركية على المطار، بدأت تتحكم في حركة الطائرات القادمة تحمل مواد الإغاثة وفرق الإنقاذ.

وجاء تحكمها مستفزا للجميع، حيث أجبرت طائرات كثيرة على التحليق لساعات حتى تسمح لها بالهبوط، بينما اضطر الكثير من الطائرات إلى التوجه لمطارات أخرى في دول قريبة، مما أخر وصول المساعدات الكثيرة.

تصرفات الولايات المتحدة أثارت، إلى جانب الغضب والامتعاض، شكوكا وجدلا كبيرا في الأوساط السياسية الدولية، فقد تساءل الكثيرون حول أهداف واشنطن من إرسال جيشها لهاييتي في هذه الظروف، وأعلنت البرازيل أنها لا تنوي التنازل عن مهامها في حفظ الأمن وممارسة صلاحياتها في مجال قيادة القوات التابعة لهيئة الأمم المتحدة في هاييتي.

بينما أشارت باريس إلى أن الوضع الحالي يمثل نوعا من هيمنة الولايات المتحدة على المطار لأهداف غير معروفة، وأبدى وزير الدولة الفرنسي آلان جويانديه اعتراض بلاده على سيطرة الولايات المتحدة على مطار هاييتي، ومنعها طائرات بعض الدول من الهبوط بالمساعدات، ومنها طائرات فرنسية.

وفي جلسة عامة نظمها البرلمان الأوروبي لمناقشة الوضع في هاييتي، أعرب نواب مجموعة اليسار الأوروبي الموحد، عن رفض مجموعتهم للتدخل الأميركي في هاييتي بحجة وقوع الكارثة.

وقال زعيمهم باتريك لوهيراك «لا يمكن لأوروبا السماح باحتلال هاييتي من أي طرف كان، بحجة المساعدة على مواجهة الكارثة». أما رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا فقد كان أكثر حدة وصراحة، عندما قال «ليس ثمة منطق يبرر إنزال القوات الأميركية في هاييتي التي تحتاج المساعدة الإنسانية، لا الجيش، لأنهم باحتلال هاييتي يحتلون أرضا أميركية لاتينية».

الجدل الآن يدور حول الأسباب وراء هذه التصرفات الأمريكية والهدف من ورائها، هل تريد واشنطن فعلا احتلال هاييتي عسكريا؟

وهل ظروف الكارثة هناك تسمح بذلك؟ ثم ماذا عن العصابات التي سمعنا أنها توجهت إلى هناك لتنقل المئات من الأطفال المشردين من الزلزال إلى جهات غير معروفة في العالم، ودون أي إشراف أو رقابة من جهات دولية؟ هذا الأمر يثير مخاوف كثيرة من نشاط عصابات المافيا العالمية التي تتاجر في البشر وفي أعضاء جسم الإنسان.

لقد أعلنت واشنطن على لسان وزيرة الأمن الداخلي جانيت نابوليتانو فور وقوع الزلزال، أنها ستسهل إجراءات تبني أطفال يتامى من هاييتي عبر السماح بنقلهم إلى الولايات المتحدة، حتى وإن لم تكن بحوزتهم جوازات سفر أو وثائق تثبت هويتهم.

والملاحظ أن هذه أول مرة تبدي فيها واشنطن هذا الاهتمام بالأطفال في مثل هذه الكوارث الإنسانية، لكن هذا الاهتمام يجب أن يكون تحت إشراف دولي، طالما أن سلطات هاييتي لا تسمح ظروفها الحالية بمراقبة الأوضاع.

من المؤكد أن كارثة هاييتي الإنسانية هزت قلوب ومشاعر العالم، لكن على ما يبدو أنها أيضا كارثة أخلاقية أثارت شهوات آخرين، سواء من أصحاب المصالح السياسية والاستراتيجية الخاصة، أو من تجار الموت الذين يتعاملون مع كوارث وآلام البشرية، على أنها سلعة يرتزقون من ورائها.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru