تكاد بهجة نجاح الرئيس أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية تتلاشى، بعد مضي عام واحد على تسلمه مهماته الدستورية، وعلى بدء ولايته التي كان الشعب الأميركي وشعوب العالم تنتظر منه أن يجترج خلالها «المعجزات» منذ اليوم الأول، ويحقق وعوده أو جزءاً منها، وكان هو (وآلته الإعلامية) قد راكم وعوداً كثيرة داخلياً وخارجياً.

وضاعف آمال شعبه وشعوب العالم به وببرامجه، حتى كادت هذه الوعود أن تصبح بديهيات في وجدان الشعوب، وخاصة تلك التي اكتوت بنار سياسة إدارة الرئيس بوش ومحافظيه الجدد، وعدوانيتهم، ونظامهم العالمي الجديد، وموقفهم تجاه إقامة شرق أوسطهم الكبير أو الجديد والمتجدد.

وأقنعت خطابات الرئيس أوباما وحضوره الجماهيري وصوته الجهوري وملامحه المريحة، الناخبين الأميركيين والمتلقين من شعوب العالم، بأنه بضاعة جديدة مفيدة، ورئيس متوازن «عادل رحيم»، سوف يأخذ العبر من أخطاء الإدارات السابقة، وبالإجمال فإنه سيحمل الخير لشعبه ولشعوب العالم، وزاد التفاؤل أنه أول رئيس ذو بشرة ملونة يصل لهذا المنصب السياسي الأهم في العالم كله.

وقد تعاطف معظم الناس في بلاد الله الواسعة معه، وتمنوا نجاحه أملاً في سياسة أميركية أقل عدوانية واستفزازاً مما كانت عليه.

وبهذه المناسبة يسجل للشعب الأميركي أنه أعطى ثقته دون تردد لرئيس أسود من سلالة عبيد أجداده، مما أدهش العالم، وأوحى بأن هذا الشعب تخلص من ثقافته العنصرية إلى الأبد، وأنه تبنى ثقافة جديدة وسياسة جديدة خالية من الغطرسة والعدوانية والصلف واحتقار الآخر، عكس سياسة إدارات بلاده المتتالية، وأنه أخذ ينحو إلى المساواة بين الأفراد والعدل في العلاقات الدولية.

وقد ظن البعض أن هذا الشعب بدأ يتخلص من لوثة ما بعد الحداثة، وهيمنة الاحتكارات ومجتمع الإعلام واللذة والمتعة، ومن العولمة ومفاهيمها وممارساتها وسطوتها، وبالتالي فستكون ولاية الرئيس أوباما بداية خير للبشرية جمعاء.

جرت الرياح بما لم تشته سفن الرئيس ولا سفن شعوب العالم، ومضى العام الأول من ولايته وكأننا «لا رحنا ولا جينا»، وإذا بكل شيء يبقى ـ تقريباً ـ كما هو، فلا اجترح الرئيس العجائب وعدل الاقتصاد المائل ومنع الانهيار، ولا هو حل القضايا المستعصية في عالمنا، رغم الكلام المعسول (وربما الصادق) الذي تفوه به، والرغبة المعلنة (وربما الجدية) التي أفصح عنها، والجهود الحثيثة التي يقوم بها. وهكذا أخذت سياسته تبدو للمراقب وكأنها استمرار لسياسة الرئيس بوش، بمعنى من المعاني.

ولأن الجميع ما زال يأمل فيه خيراً، وما زال يصدق ما قاله وما يقوله، فينبغي إذن اللجوء للتفسيرات التي يتم تداولها، والقائلة إن الأمر والنهي في الولايات المتحدة يعود للاحتكارات والمصالح والمؤسسات (كالدفاع والخارجية وغيرها)، وما تمثله ومن تمثله، وأن الرئيس هو جزء من هذه الآلة الضخمة متعددة الأقسام والقوى والمواقع والنفوذ والتأثير، ولا يملك القدرة على تنفيذ وعوده أو اتخاذ قراراته، إلا إذا تطابقت مع رغبات هذه المؤسسات ومراكز القوى. وعلى ذلك فإن الرئيس أوباما لديه الرغبة، ولكن ليست لديه القدرة.

وفي الحالات كلها، فبعد عام على تنصيبه لم يرض بائعاً ولا شارياً ولا أحداً، لا من المعتدلين ولا من المتطرفين، سواء داخل حزبه أو في الحزب الجمهوري، وسواء بين أفراد شعبه أو بين شعوب العالم الأخرى.

كان أهم المقترحات التي وعد الرئيس بها شعبه خلال حملته الانتخابية، هو إصدار نظام التأمين الصحي وهذا لم يصدر بعد، وحتى لو صدر فقد سلبت منه المؤسسة التشريعية الأميركية مادته الفعالة وأصبح خالي الدسم، وفي الوقت نفسه لم يستطع حل المشكلة الاقتصادية الداخلية، وكل ما فعله هو متابعة ما بدأه سلفه الرئيس بوش (إقراض البنوك وشركات التأمين وغيرها)، أما تخفيض الضرائب فما زال أملاً بعيد المنال كما يبدو.

بالنسبة للعرب والمسلمين، ما زالت «الرقصة نفسها»، خطوة للأمام وأخرى للوراء. فقد وعد بإغلاق معتقل غوانتانامو وها هو ما زال قائمًا، وأعلن في خطابه في تركيا أن له موقفاً جديداً من الإسلام يبرئه من صفة الإرهاب والعنف وغيرها، ولكننا لم نشهد أي تبديل في سياسته وممارساتها مع المسلمين داخل الولايات المتحدة وخارجها، ولم تخرج الوعود عن إطارها اللفظي.

ثم وعد في خطابه في القاهرة (بعد أن أكد موقفه من الإسلام الذي التزم به في تركيا) أن يحل المشكلة الفلسطينية بحل شبه عادل، أوله إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، والتزام العمل لوقف بناء المستوطنات فوراً، وتفعيل اللجنة الرباعية.. لكنه بدأ يتراجع، فتحول رفض بناء المستوطنات بالمطلق إلى وقف البناء لمدة محدودة، ثم تجاهل الاستيطان في القدس، ثم استسلم نهائياً ليس لمطالب الحكومة الإسرائيلية السابقة فقط، بل لمطالب نتنياهو الأكثر تطرفاً وصلفاً وعدوانية.

أما في العراق وأفغانستان فما زال الحال كما كان عليه؛ وعد مشكوك فيه بالانسحاب من العراق، وإن حصل فغايته نقل الجنود إلى أفغانستان، وقصف يومي للمدنيين في باكستان، وتهديد للعرب والمسلمين هنا وهناك، حتى يكاد يلتبس الأمر على المراقب، إن كانت هذه سياسة الرئيس بوش أم سياسة جديدة! وزاد الطنبور نغماً بدء قصف الآمنين في الباكستان دون إذن من سلطاتها، بذريعة ملاحقة فلول طالبان خارج حدود أفغانستان.

إذا استمرت سياسة الرئيس أوباما في السنوات المقبلة من ولايته، كما كان عليه الأمر في السنة الأولى، فإنه يصح القول «أبشر بطول سلامة يا مربع».

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org