يجلس في مطعم فيخرج هاتفين ـ على الأقل ـ من جيبه ليضعهما في مكان بارز على الطاولة أمامه. لا يقرأ لائحة الطعام، ومعظم أصدقائه الجالسين على الطاولة يفعلون مثله، فيقع اختيار وجبات الطعام على المسكين الذي يملك هاتفاً واحداً فقط، أو ذلك الذي لم يسعفه الوقت لامتشاق هواتفه من جيبه بعد.

وخلال جلسة العشاء تلك، يومئ كل منهم على هواتفه كل دقيقة ليتأكد بأنه لم يغفل رسالة نصية، أو بريدا إلكترونيا، أو رسالة عبر «الماسنجر» في جهاز البلاك بيري.

إذا تحدثت مع أحد هؤلاء تتفاجأ به وهو يشيح بوجهه عنك فجأة دون استئذان، حتى وإن كنت مسترسلاً في حديث معه، ليستقبل اتصالاً هاتفياً قد لا يكون مهماً، دون أن يخطر على باله مثلاً أن يؤجل الرد على المتصل حتى تنفض الجلسة، أو على الأقل، حتى تنتهي من كلامك.. عندها تتساءل: لو كنت أنا المتصل فهل كنت سأحظى باهتمام أكبر؟

هذه بعض تصرفات من أسميهم بـ «البلاك بيريين» الذين يتعاملون مع المجتمع من حولهم، مثلما كان النبلاء يتعاملون مع أفراد الشعب الآخرين في فرنسا قبل الثورة الفرنسية، ولكن الفرق هو أن المجتمع الفرنسي آنذاك كان مقسماً إلى عدة طبقات، منها رجال الدين والبرجوازيون وطبقة الشعب الفقيرة، أما البلاك بيريون فإنهم الأغلبية الساحقة في مجتمعنا الخليجي. بدأ هؤلاء بالظهور بعد انتشار جهاز «بلاك بيري» منذ سنتين تقريباً بين عامة الناس.

حيث كان هذا الجهاز محصوراً في فئة الموظفين الكبار، الذين تهمهم متابعة بريدهم الإلكتروني على مدار الساعة، ولكن بعد ظهور جهاز «الماسنجر» للتواصل في هاتف البلاك بيري، أصبح اقتناؤه فرض عين على شباب وفتيات الخليج.

من الطرائف أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ساهم في تسويق البلاك بيري دون أن يعلم، فلقد التقتطه عدسة أحد المصورين وهو خارج من البيت الأبيض حاملاً في يده جهاز بلاك بيري، لترتفع حصة الجهاز من سوق الهواتف المتحركة في الولايات المتحدة وحدها إلى نسبة 56%، بحسب مجلة فورتشن.

لقد تحول البلاك بيري من مجرد هاتف محمول إلى ثقافة جديدة، ينشغل المنضوون تحت لوائها بصغائر الأمور في غالبية الأحيان، فهي ثقافة سطحية وسريعة، لا تحب التفاصيل أو الفهم العميق للأشياء من حولها، فالمهم هو الحصول على الخبر وليست مصداقيته، والأهم من ذلك هو سرعة نشر ذلك الخبر قبل الآخرين. البلاك بيريون منطوون على ذواتهم دون أن يعلموا، فترى أحدهم يشعر بالوحدة إذا كان مع الجماعة، ويشعر أنه اجتماعي إذا خلا بجهازه الأسود الصغير.

لقد أشارت إحدى الدراسات التي أجريت في بريطانيا على مجموعة من الموظفين، إلى أن البلاك بيريين يعملون عشر ساعات إضافية في الأسبوع دون أن يعلموا بذلك، وبعضهم يرسل قرابة 500 رسالة نصية ورسالة ماسنجر وبريد إلكتروني يومياً، حيث قال معظم الذين شملتهم الدراسة إنهم أصبحوا «عبيداً» لهواتفهم المحمولة، وقالوا أيضاً إنهم ينامون وأجهزة البلاك بيري الخاصة بهم أقرب إلى وسادتهم من زوجاتهم.

انتشر مصطلح في الغرب حول ثقافة استخدام جهاز البلاك بيري وهو «ْفكًقمْْ؟»، وكلمة «كراك» تعني باللهجة الدارجة نوعا من الكوكايين، أي أن استخدام البلاك بيري أصبح إدماناً مثل الكوكايين، حيث أنه لا يمكن للبلاك بيريين الاستغناء عنه للحظة واحدة. ادخل فصلاً دراسياً في إحدى الجامعات، مطعماً، مقهى، قاعة اجتماعات، مسجداً، صالة رياضية.

وتأكد بأنك سترى جهاز بلاك بيري أمام أحدهم وعينه مسمّرة عليه. لقد أفقد هذا الجهاز الصغير أفراد المجتمع كثيراً من أدبيات الحياة وأساسيات التعامل مع الآخرين، فتجدهم متحلقين حول طاولة الطعام وجلّهم يعتذرون إلى أصدقائهم الموجودين على جهاز الماسنجر.

أو كما يطلق عليه «بي بي إم»، لتأخرهم في الرد عليهم، ولا يشعرون بالحرج من أصدقائهم أو أقربائهم الجالسين معهم على نفس الطاولة، عندما يتجاهلونهم كلّما رن منبه الرسائل.

أصبحنا نعتمد على البلاك بيري، في أوقات كثيرة، للحصول على معلومة ما، فأصبنا بـ «كسل الحضارة»، فلا نحن نحفظ المعلومات المهمة في صدورنا، ولا نحن نعرف كيف نجدها إذا لم نكن على اتصال بالإنترنت، ولذلك أصبحت المعلومة سلعة رخيصة متوفّرة لنا في أي وقت، فزهدنا فيها وتركناها.

ذهبت مرة مع الكاتب البرازيلي «باولو كويلو» إلى الصحراء، وعندما جلسنا في المساء لاحتساء الشاي، أخرجت هاتفي النقال وشرعت بالتصوير، فأمسكني من يدي وقال لي: «دع عنك الآلة فإنها تفسد الطبيعة، اتركها وسوف تتّحِدُ مع الجمال». لم أستوعب تماماً ما كان يقصد، حتى اقتنيت بلاك بيري بعد ضغط من الأهل والأصدقاء.

فلقد كنت أمارس رياضة المشي قبل أيام على جهاز إلكتروني في إحدى غرف المنزل، وفجأة تذكرت كلام باولو. أوقفت الجهاز وهرعت إلى شاطئ البحر، مشيت هناك دون بلاك بيري، اتحدت حينها مع الطبيعة، ورأيت البحر لأول مرة منذ خمسة عشر عاماً كما هو، على حقيقته المجردة، النقية من كل رسالة نصية، والصافية من كل بريد إلكتروني.

عندما يستيقظ البلاك بيريون من نومهم، فإن أول شيء يقومون به هو فتح صندوق رسائل الماسنجر، ليلقوا التحية على أصدقائهم، ويتأكدوا من أنهم على اتصال بعالمهم الوهمي. قال لي أحدهم إن زوجته أرسلت له يوماً رسالة نصية عندما استيقظت في الصباح، لأنها تعلم أنه سيقرؤها قبل أن يلتفت إليها ويقول لها: «صباح الخير».

لا شك أن التكنولوجيا ضرورية لتسيير حياتنا اليومية، فلا يعقل أن نعود إلى الوراء ونستخدم البريد المختوم والرسائل المدموغة بطوابع مستطيلة صغيرة، ولكن، لماذا لا نخصص يوماً واحداً في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة، ليكون يوماً خالياً من الرسائل النصية، أو بالأحرى من الآلة، حتى نتواصل كبشر، كما كنّا نفعل في يوم من الأيام؟!

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com