قد لا تكون مفردة «الأمن» لدى الإنسان ضمن ما يقلق راحته ويعكر صفوها اليومي، إلا حين يصبح في ظروف خاصة يفتقد فيها «الأمان»، حين يجد نفسه تائهاً ضعيف القدرات مجرداً من السلاح، وسطَ وَسطٍ قاسٍ يسحق الحلم قبل أن يسحق الحالم، حين يجد نفسه مغترباً بعيداً عن أهله وعن وطنه.
عبر التطور التاريخي، أفرز التقدم الذي صنعه الإنسان في شتى مجالات الحياة، فرصاً كثيرة واعدة لتحقيق المزيد من التقدم، فتلك جدلية الحياة التي ترسم مسار التاريخ إلى الأمام فقط. فقد وفر هذا التطور، على المستوى المادي، أدوات ومنتجات جديدة وتكنولوجيا متنوعة في شتى الميادين، جعلت حياة الإنسان أكثر يسراً وسهولة، وكذلك أفرز أشياء أخرى لا تقل أهمية عن ما سبق ذكره.
ولكن على المستوى غير المادي، فقد أفرز قيماً جديدة وأفكاراً جديدة ومنظومات علاقات مجتمعية وإقليمية ودولية جديدة، وأفرز كذلك منظمات سياسية وكيانات مجتمعية، وأفرز ما هو أكثر أهمية، وهو مناهج عمل وأساليب تفكير جديدة. كل ذلك من أجل أن تساعد الإنسان على المضي إلى الأمام، لتحقيق المزيد من التطور والتعقيد في الحياة المدنية.
إلا أنه، ولسوء الحظ، فإن كل خطوة تطورية إلى الأمام جلبت معها مخاطر جديدة، بسبب إخفاق منظومات العلاقات الحكومية أو المجتمعية في الاستجابة السريعة للتطورات الحاصلة، من جهة، وبسبب قيام أشخاص أو كيانات أو حكومات تفتقر إلى القدرات، وربما تفتقر إلى حسن النوايا، بالتعامل مع هذا الجديد، من جهة أخرى.
فعلى سبيل المثال، فإن وسائل النقل البرية والبحرية والجوية قد تتسبب في حوادث تعرض حياة الإنسان للخطر، وقد تتحول الأدوات المختلفة المفيدة التي في متناول كل إنسان، إلى سلاح ضار وربما قاتل.
في العقدين الأخيرين تسارع التغيير في العالم بشكل كبير وغير مسبوق، فقد عملت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عمل المحرك الفاعل القوي، لإحداث طفرة كبيرة في حياة الإنسان، ليس في المجال التكنولوجي فحسب، وإنما في المجال المجتمعي أيضاً.
التطور في أساليب الحياة المادية للإنسان، لم يواكبه تطور مماثل في أساليب التعامل مع الإنسان ومع مشكلاته ومع قيمه. فالتطور الهائل الذي نشهده، قد أضفى طابع العالمية على العديد من القضايا التي تتعلق بالاقتصاد والتجارة والتعليم والإعلام، إلا أن إحدى أبرز القضايا التي بدأت تشغل بال الكثيرين، وهي قضية الهجرة، المؤقتة أو الدائمية، التي أصبحت ظاهرة عالمية تفرغ بلداناً من كفاءاتها وتسبب الكثير من المشاكل لبلدان أخرى، لم تلق ما تستحقه من عناية واهتمام.
هناك أسباب متنوعة للهجرة، إلا أن أبرزها هي الأسباب السياسية، حين يعمد بعض الحكومات إلى حجب الحريات عن شعوبها أو تقوم باضطهاد بعض مكوناتها، عرقياً أو دينياً أو مذهبياً، أو حين تخلو استراتيجياتها من مساحات تتاح فيها للأفراد فرص لتحقيق بعض أحلامهم وطموحاتهم. وفي هذا السياق فإن معظم المهاجرين في الدول الأوروبية هم من بلدان منطقة الشرق الأوسط، التي ليس لمعظم دولها سجل مرموق في حقوق الإنسان.
المغترب هو من يترك وطنه وأهله ويرحل إلى مكان آخر، بخياره الخاص أو بسبب ظروف قهرية فرضت عليه التقاط هذا الخيار دون غيره. والخيار الشخصي للتغرب قد يتأتى بسبب الفشل في تحقيق طموحاته أو تحقيق بعضها في وطنه، مما يدفعه إلى البحث عن بيئة أخرى في وطن آخر تتسع لهذه الطموحات. ولا أقصد هنا بالاغتراب ذلك الذي قد يكون غربة حقيقية عن المجتمع وعن الأهل دون مغادرة الوطن!
وقد تستمر الغربة لفترة محدودة تنتفي بعدها الأسباب التي دعت إليها، وقد تطول إلى درجة تسبب انقطاعاً عن الوطن، حتى في حالة العودة إليه، بسبب فقدان التناغم والانسجام مع منظومات العمل أو منظومات القيم والعلاقات الاجتماعية..
الاغتراب قرار لا يصنعه الفرد حتى لو بدا كذلك للبعض، فهو في الحقيقة قرار يتخذ في عملية معقدة، تتشابك فيها إرادة الفرد مع المنظومات المعقدة غير المرنة في وطنه، لتتراجع هذه الإرادة مندحرة أمام وطن غير آبه بها أو بغيرها. وهو خسارة يتحملها المغترب، حتى لو حقق فيها بعض طموحاته، فالمحصلة النهائية ليست في صالحه أو في صالح من اغترب بسبب قراره. ولعل ذلك يقودنا إلى التساؤل عن المسؤول عن ذلك؟ أهو المغترب الذي اختار طريق الاغتراب أم الوطن الذي دفعه إلى ذلك؟
وفي هذا الصدد لا بد من التطرق إلى حقوق الإنسان، التي أصبحت في الوقت الحاضر موضوعاً سياسياً قبل أن تكون موضوعاً إنسانياً، يحرص معظم دول العالم على الالتزام بما تقدمه المنظمات الدولية ذات العلاقة من توصيات. ولما كان هذا الموضوع ذا فحوى سياسية لا يمكن نكرانها، فقد يستغل من أجل تغليب منهج سياسي على منهج سياسي آخر، وقد يساء خلال ذلك إلى بعض الحضارات أو بعض القيم الروحية.
إن حقوق الإنسان في العيش بكرامة وإنسانية، كانت عبر التاريخ، ولا تزال حتى يومنا الحاضر، قضية شائكة بين السلطات الحاكمة وبين سواد الناس الذين لا رأي ولا دور لهم في وضع وصياغة النظم والقوانين والشرائع التي تحفظ لهم إنسانيتهم، فقد ألزموا بالتعرف على واجباتهم فقط. هناك مجموعة من الحقوق العامة تتعلق بالفرد كإنسان، أولها الحق في الحياة والتمتع بالكرامة التي تليق بالإنسان.
وحق التعليم، والحق في الحصول على الخدمات المختلفة، وحق التفكير والتعبير، وحق التمتع بالأمن، وحق الاعتقاد، وحق المساواة مع الآخرين، وحق التمتع بما تضفيه العدالة من أمان وطمأنينة. ومع أن جميع هذه الحقوق أساسية، إلا أن حق التمتع بالأمن له خصوصية مميزة. فعند الحديث عن الأمن على المستوى الفردي، فإنه يختزل إلى تحقيق الأمان لهذا الفرد، أي تحريره من الخطر، ومن الخوف والقلق.
فلا يجوز لاَي كان تعكير صفو حياة هذا الفرد، وجعله أسير القلق والخوف والترقب، رهيناً للحزن والأسى، من خلال تقليص مساحة حريته، أو تعريضه للتهديد والوعيد بالاعتداء على حياته أو عرضه أو ماله، أو النيل من الفرص المتاحة لبناء مستقبله.
وعودة إلى التساؤل الذي طرحناه في متن هذه المقالة، عن من يتحمل مسؤولية اغتراب الإنسان، فلا يسعنا تحميل الفرد مسؤولية ذلك، فالمسؤول عن تشرده، عفواً تغربه، هو الوطن.
كاتب عراقي
