منذ سحابة شهور تتوالى المصالحات اللبنانية ـ اللبنانية، بين قوى وتيارات سياسية كانت على خلاف مستحكم، دموي أحياناً، بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شهر فبراير 2005.

أبرز هذه المصالحات التي استدعت تعليقات وافرة في الصحافة اللبنانية، تلك التي أجراها ويجريها رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط، مع طيف من الأحزاب السياسية التي خاصمها حتى حدود الإقذاع الكلامي أو الاشتباكات الدموية، وأخصها «حزب الله» و«حركة أمل» والعماد ميشال عون والوزير السابق وئام وهاب.

أما المصالحات التي لم تنعقد بعد، وإن جرى التمهيد لها طويلاً، فعمادها المصالحات المسيحية بين العماد ميشال عون، من جهة، «والقوات اللبنانية» برئاسة د. سمير جعجع «وتيار المردة» بقيادة الزعيم الشمالي سليمان فرنجية من جهة أخرى.

كلام كثير جرى في تفسير سلوك وليد جنبلاط، وتحديد مقاصده وآفاقه الآنية والمستقبلية، سواء أكان ترحيباً حاراً أو موافقة ضمنية أو اعتراضاً وتشكيكاً. في الواقع، يمكن أن نلحظ من موقع الإعلامي المراقب، عدة أسباب جوهرية تفسر جوهر هذا التحول الجنبلاطي، الذي بدا مفاجئاً للكثيرين.

أولاً: اقتناع جنبلاط أن المرحلة الصدامية التي مثلها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن وحلفاؤه من معسكر «المحافظين الجدد» في الإدارة الأميركية، وكان من تجلياتها حرب العراق، قد انقضت تماماً.

وأن مرحلة مغايرة افتتحها الرئيس الحالي باراك اوباما في علاقاته الدولية عموماً والشرق أوسطية تخصيصاً، سواء مع سوريا أو مع إيران، قوامها مباشرة حوار مديد مع الدولتين، ورفع الحصار الاقتصادي عن سوريا وإنهاء عزلتها الدولية، وإطلاق حوار أوروبي وأميركي متعدد المستويات مع إيران. الى ذلك تضاف لغة جديدة في مخاطبة الدولتين، اللتين صنفتا قائدتين «لمعسكر الشر» حسب تعبير الرئيس جورج بوش، تقلع عن التهديدات العسكرية، وتنحو نحو الإغراءات الاقتصادية والسياسية.

كثيرون يستشهدون في هذا الصدد بالخطاب الهام الذي ألقاه اوباما في جامعة القاهرة مع مستهل عهده بالرئاسة، حيث قدم صورة جديدة عن رئيس أميركي ذي جذور إسلامية وإفريقية، يحترم الاسلام ويقر بأهمية الحضارة الإسلامية العربية في مسيرة الحضارة المعاصرة.

وقد تزامنت مع هذا التوجه الأميركي إلى محاورة كل من سوريا وإيران، سياسة قضت بالتراجع عن الدعم غير المشروط، الذي كانت تمحضه الإدارة الاميركية لتحالف 14 آذار في مناهضته للحكم السوري وتوجهاته على الساحة اللبنانية، مقابل مراهنة أكثر فأكثر وضوحا على دور العماد ميشال سليمان ونهجه في استئناف علاقة طيبة وودية مع الحكم السوري، باشرها يوم كان قائداً للجيش في عهد الرئيس السابق اميل لحود

مجمل هذه السياسة الأميركية الجديدة إقليميا ولبنانيا، التقطها النائب وليد جنبلاط وباشر في ترجمتها في علاقاته اللبنانية، انفكاكاً متناميا عن تحالف 14 آذار، ونسجاً لتقارب واسع مع جبهة 8 آذار.

ثانياً: استواء ميزان جديد للقوى في البلاد، بعد حوادث 7 مايو ميدانياً، وما حفلت به من اشتباكات بين تيار المستقبل ومقاتلي الحزب التقدمي الاشتراكي من جهة، و«حزب الله» و«حركة أمل» من جهة أخرى، وبعد اتفاق الدوحة الذي أكد غلبة سياسية واضحة لحزب الله وحلفائه.

لقد استبان لوليد جنبلاط أن أية منازلة مع «حزب الله» هي في حكم الانتحارية عسكريا، فضلا عن كونها تدمر آخر ما تبقى من جسور مع سوريا.

ثالثاً: بلوغ الاحتقان الشعبي بين قواعد الحزب التقدمي وعموم الدروز، وقواعد حزب الله وعموم الطائفة الشيعية، مبلغا كبيرا يهدد بانفجار كبير على مستوى البلاد كلها، وغني عن البيان أن ثمة حضورا شيعياً وازناً في الجبل، فضلا عن أن الجبل متاخم للجنوب والبقاع وهما منطقتا الحضور الشيعي الكبير.

يضاف إلى ذلك أن لا ظهير للدروز إقليميا، سواء على المستوى الجغرافي أو السياسي، في حال اندلاع اشتباكات مسلحة شاملة بين «الحزب الاشتراكي» و«حزب الله» وحلفائه.

فالدروز أمام أحد خيارين: إما مد اليد إلى إسرائيل، وهو أمر محظور وطنيا، وإما التحالف مع سوريا باعتبارها عمقاً استراتيجيا إلزاميا للدروز، سياسيا وعسكريا وبشرياً واقتصاديا.

من هنا اختار جنبلاط إعادة ترميم علاقاته مع «حزب الله» وسوريا من ورائه، باعتبار هذا الترميم سبيلاً وحيدا إلى المحافظة على الوجود الكياني للدروز، كطائفة عربية ـ إسلامية.

رابعاً: يشكل الدروز في لبنان أو سوريا أو الأراضي الفلسطينية المحتلة، أقلية ديمغرافية دأبت على التحالف مع المحيط السني الكبير، في مواجهة الفرنجة بداية، ثم المعسكر الأميركي البريطاني لاحقاً. إلى ذلك فإن الأقليات، كل الأقليات، تختار في لحظة الصدام بين كتل شعبية وازنة، نهج التسالم مع هذه الكتل خوفا من أن تدفع الثمن من وجودها وسلامتها. ومعلوم أن العلاقة المتردية بين السني والشيعي في أعقاب 7 أيار، أملت على وليد جنبلاط أن يتذكر هذه القاعدة الذهبية: في لحظة الصدام احفظ رأسك، ولا تنحز إلى طرفٍ دون طرف.ما ذكرناه يفسر الأبعاد العميقة للمصالحة الدرزية الشيعية، ولكن ماذا عن المصالحات المسيحية المسيحية؟ ذلك مبحث لمقال آخر.