يتراجع الناس في كل شيء، ربما يكون هذا الحكم قاسيًا بعض الشيء، أو في حاجة لشيء من التلطيف والتخفيف. وقد يكون فيه شيء من التشاؤمية أو النظرة السلبية، لكننا لا نستطيع أن نكون أكثر لطفًا أو تفاؤلا، في وقت أصبحنا لا نتأخر فيه عن أن نكون متأخرين أكثر! ولا يحتاج كلامي دليلا أكبر من الواقع.. الواقع الذي لا يمكننا أن نقيسه إلا بمقياس الأخلاق، حتى إن كنا في زمن الماديات والأرقام والأصفار اللامنتهية، وحتى إن كان منطق الواقع يفرض علينا أن نحسب حساباتنا بمقاييس أخرى بعيدة عن مقياس الأخلاق، إلا أننا لا نستطيع أن ننفصل نهائيا عن هذا المقياس، ولن نستطيع إن أردنا ذلك، لأننا مهما ابتعدنا عنه في الواقع، فإننا في عمق أنفسنا ندرك جيدا أننا لا بد أن نعود إليه، وأن نأتمر بأمره، حتى إن ابتعدنا عنه طوعًا أو كرهًا، ولو بعد حين.

انفصال الناس عن الأخلاق له أكثر من مظهر، وانغماسهم في الماديات وابتعادهم عن الروحانيات شكل واضح من أشكال الابتعاد عن الأخلاق، لأن الروحانيات لا تكاد تنفصل عن الأخلاق، ومن الطبيعي أن يكون الروحانيون أكثر تمسكًا بفضائل الأخلاق، إذ تكون حينها بمثابة النور الذي تسبغه الروحانيات على سلوك الإنسان، فيظهر كقيم أخلاقية يتحلى بها ويتميز بها عن الآخرين. هذا الطبيعي، إلا أننا في هذا الزمن الذي شاع فيه الزيف في كل شيء، أصبحنا نجد من ينتسب إلى عالم الروحانيين ـ بغض النظر عن أي تفاصيل ـ ولكن سلوكه لا يلتقي مع سلوك العالم الذي يزعم الانتساب إليه، لذلك لا نجد له ذلك النور لأنه ـ أي النور ـ لا يكسو إلا من تشبعت روحه بالمبادئ الروحانية، التي غالبًا ما تلتقي مع مكارم الأخلاق وفضائلها، مهما اختلف الناس في التفاصيل.

أما الماديات فتجرّ المتعلق بها جرًّا نحو عوالم لا تكاد تلتقي مع الروحانيات في أي فضاء، بل ربما تتعارض معها تعارضًا كبيرًا. ولا يعني هذا أن يجد الإنسان نفسه بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكون مع الماديات ويتنازل عن الروحانيات، أو أن يكون مع الروحانيات ويتنازل عن الماديات، بل على العكس من ذلك تمامًا، هناك خيارات كثيرة جدا، بسبب المسافة الكبيرة التي تمتد بين هذين الطرفين اللذين لا يكادان يلتقيان، لكنهما لا يمانعان من أن يجمع بينهما كل إنسان، بحسب ميوله ورغباته وقناعاته.

قد يكون الإنسان منغمسًا في الماديات، لكن دون أن يفرّط في أخلاقه، ودون أن يضطر لأن يرمي بها خلف ظهره كي يصل إلى أكثر مما وصل إليه، أو كي يحقق مطامح دنيوية قد يخسرها في لحظة ويكون قبلها قد خسر ما هو أثمن منها. لأن الخسائر المادية قد تُعوَّض، في حين لا يمكن تعويض الخسائر الروحية. ولا بد من الإشارة إلى أن الانغماس في الماديات الذي نقصده هنا، لا يعني قطعًا ما يتعلق بالمال فقط، إنما كل ما يتعلق بالمظاهر الدنيوية التي يبدو فيها الإقبال على الحياة بملذاتها شديدًا حد الشغف، دون النظر إلى الثمن الذي يدفعه الإنسان مقابل الحصول على تلك الملذات أو الرغبات.

على كل واحد منا أن يعود إلى نفسه، وأن يسألها عن حصة كل من الجوانب المادية والجوانب الروحية فيها، وأن يكون صادقًا مع نفسه في تحديد ميوله الحقيقية، وأن يبين لنفسه تبعات ذلك عليه وعلى من حوله، ابتداء من الدائرة الضيقة المحيطة به، وانتهاء بأوسع دائرة يمكن أن يحددها. ربما يتفاجأ البعض منا بأنهم لا يعرفون أنفسهم على حقيقتها، وذلك بحسب درجة صدقهم مع أنفسهم عند الإجابة على هذا السؤال، وربما يكون هذا السؤال البسيط مفتاحًا لكي يعرف الإنسان منا أين يقف، وإلى أي جانب يميل، وأن يحدد إن كان راغبًا في الاستمرار حيث هو، أو أن يجرب تغيير ذلك، والتعرف إلى الخيارات الأخرى المتاحة أمامه، بعد دراستها من جميع جوانبها.