حرصت قيادتنا الرشيدة على التأكيد دوما، على أن هويتنا الوطنية هي التعبير الشامل عن وجودنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا ولغتنا الوطنية، وأن حب الوطن والولاء له، وتمجيد تاريخ الآباء والأجداد الحافل بالقيم الأصيلة والمفاخر التي سطروها، لا بد أن تغرس في نفوس أبنائنا جيلا بعد جيل، حتى تبقى هويتنا الوطنية كما هي ولا تضيع.
والحق أن هذا التشخيص لا يقتصر على واقع قطر بعينه، لكنه يشمل عالمنا العربي الذي أتطرق بشأنه إلى جانب يتعلق بهذه القضية، دون النفاذ إلى بقية الصورة كي لا تتوه الكلمات.
وهو بعض ملامح المشهد الراهن للإعلام العربي، ومعالجته لقضية الهوية العربية التي أصبح الحديث عنها من الموضوعات التي تعددت حولها الآراء واحتدم النقاش، بعد أن تبدلت وسائل السيطرة على الشعوب وأصبحت لمن يملك المعرفة، مما دفع الكثير من شعوب العالم إلى إنفاق المليارات لدعم هويتها الثقافية وقدرتها الاتصالية.
لكي تحتفظ بقوتها على المستوى الدولي إلى جانب قدرتها العسكرية، حيث أثبتت مجريات الأحداث بما لا يدع مجالا للشك، أن حلبة الصراع الآنية وفي المستقبل المنظور، هي الحلبة الثقافية والإعلامية.
والهوية الثقافية لأي أمة من الأمم، هي كلمة السر التي يمكن للفرد أن يعرف بها نفسه، في علاقته بالجماعة التي ينتمي إليها، والتي عن طريقها يتعرف عليه الآخرون باعتباره منتميا إلى تلك الجماعة، وهي السمات التي تميز أي حضارة عن غيرها من الحضارات، وبقدر تأصل الهوية الثقافية في وجدان الفرد، بقدر ما تتميز به تلك الأمة عن غيرها من الأمم.
وهنا أطرح سؤالا.. هل استطاعت وسائل الإعلام العربية أن تكون منبرا للتعبير عن هوية أمتها، لكي تصبح قوة فاعلة في إثراء ثقافة المواطن العربي وتعزيز هويته؟
أم أنها تعاملت معه بعقلية الانهزام الحضاري، واقتصر دورها في الوكالة عن الإعلام الأجنبي من خلال عرض قيمه وأفكاره، ولتصبح رافدا من روافد التغريب والتغييب للوعي وتساهم في صناعة جيل معولم من الشباب لا ملامح له تميزه ولا قيم يتفرد بها عن غيره؟
ولست هنا في مجال الدعوة إلى التقوقع حول الذات، فالهوية ليست تراثا جامدا، ولا مجرد مجموعة من التقاليد وكفى، لكنها عملية إبداع مستمرة للمجتمع بموارده وإمكاناته الذاتية.
وهي تقبل الإسهامات من الخارج وتستوعبها وتحولها عند الحاجة بما يتفق ومنظومتها القيمية، وتنأى عن أن تكون صورة من صور الانعزال القيمي الذي لا يقبل التغيير، بل هي عامل توليف حي ومتجدد بصفة دائمة.
إن الاختلاف والتنوع بين الحضارات الإنسانية، هو العامل الرئيسي في إحداث رقي الإنسان وتطوره على مدار التاريخ، عبر حدوث حالة من حالات التلاقح الفكري الذي استفادت بنتائجه البشرية جميعا. لذلك فإن محاولة مسخ الكل في واحد، هي من أكبر أشكال الاعتداء على الحضارة الإنسانية.
إن التميز الحقيقي ألا تكون الشعوب نسخة مشوهة من غيرها مهما كانت درجة تميزهم، ولكن أن تكون هي.. هي، بثقافتها وتراثها. والشواهد على ذلك كثيرة، فالأدباء النابهون الذين ذاعت شهرتهم في الآفاق وصنف أدبهم بأنه عالمي.. لم يكن ذلك لكونهم يكتبون أدبا لكل شعوب العالم، بل لأنهم غاصوا في محليتهم وعبروا عن ثقافتهم وبيئتهم، ومن هنا جاءت عالميتهم، والقياس على ذلك صحيح في الفن والموسيقى والشعر.
وليست الدعوة للحفاظ على الهوية حالة نختص بها نحن العرب، كنوع من أنواع الذعر من ثقافات الغير ولعدم الثقة في ما لدينا، فأكثر الدول تقدما تنادي بذلك، فالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك رفض طلبا لإحدى سلاسل المطاعم العالمية غير الفرنسية، بإقامة فرع لها في برج إيفل قائلا «إن هذا البرج علامة من علامات الهوية الثقافية الفرنسية.
ويجب أن يظل فضاؤه منفردا بنمط العيش الفرنسي»، بل إنه غادر محفلا دوليا حين ألقى مسؤول حكومي فرنسي خطابا بلغة غير الفرنسية، محتجا على ما قام به. وكذلك ينادي الفنانون الفرنسيون أن تكون السينما الفرنسية معبرة عن المجتمع الفرنسي.
وإعلامنا العربي لم يقم حتى الآن بالدور المأمول في تأصيل الهوية العربية، رغم أن هناك بعض الاجتهادات إلا أنها فردية. ولا ينبغي أن يكتفي بالتعامل مع قضية الهوية بشكل موسمي، ينهض حينا ويخبو أحيانا، أو تناول قضايا الذاتية الثقافية بشكل بروتوكولي، كمقال في صحيفة أو حلقة في برنامج إذاعي أو تليفزيوني، بل لا بد أن يتم ذلك من خلال بناء استراتيجية إعلامية طويلة المدى.
ولكي تكتمل حلقات تلك الاستراتيجية لابد من دعم الإنتاج الإعلامي العربي المشترك، لمواجهة التكتلات الإعلامية الدولية، فالتحدي الحقيقي الذي يواجه وسائل الإعلام العربية، ليس هو التحدي التكنولوجي رغم أهميته، وإنما هو تحدي المضمون وشح الإبداع.
كذلك لا بد من أن يتسم ما نقدمه بالجاذبية شكلا ومضمونا، وأن نثق في ما لدينا من ثقافة وفكر وتراث، وأن يتعامل إعلامنا مع ثقافات الغير، من منطلق الندية لا الانبهار.
ومن الأهمية بمكان التنسيق والتكامل بين المؤسسات الإعلامية العربية والمؤسسات الأكاديمية ممثلة في كليات الإعلام، للعمل في إطار منظومة واحدة، لتأهيل كوادر إعلامية تعي قضية أمتها وتساهم في صنع مستقبلها.. من هنا نبدأ.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
