الأزمة الأخيرة التي واجهت العلاقات التركية الإسرائيلية، على خلفية إهانة السفير التركي في تل أبيب، تطرح تساؤلات جدية حول آفاق العلاقة بين البلدبن، في ضوء معطيات متعددة، في مقدمتها الانتقادات التي دأب كبار المسؤولين الأتراك على توجيهها إلى السياسة الإسرائيلية منذ الحرب على غزة في ديسمبر 2008 وحتى الآن، والتي انتهت بما وجهه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان حول انتهاك إسرائيل لقرارات مجلس الأمن الدولي.
إضافة إلى نمو العلاقة بين تركيا والعديد من الدول العربية التي تعتبرها إسرائيل معادية لها، مثل سوريا، وما ترصده تقارير إسرائيلية متعددة حول نمو المزاج المعادي لإسرائيل لدى الأوساط الشعبية التركية.
وهذه التقارير تصف هذا المزاج بأنه «معاد للسامية»، وتستشهد في هذا الصدد بعرض مسلسلات تلفزيونية في تركيا، تفضح السياسات الاسرائيلية أو توضخ العنف الذي يكتنف الشخصية الاسرائيلية.
وما يلفت نظر المؤسسات التي تصدر هذه التقارير، ليس فقط عرض هذه المسلسلات، وإنما تقبل الشعب التركي لها وتفاعله معها. والمسلسل الذي أثار حفيظة إسرائيل مؤخرا والمسمى «وادي الذئاب»، ليس أول مسلسل يعتبره الإسرائيليون معاديا لهم.
ويختلف المهتمون بالشأن التركي حول تقسير تراجع العلاقات التركية الاسرائيلية، من التحالف الاستراتيجي إلى الفتور ثم الأزمة، ويرجعه بعضهم إلى السياسات التي تطبقها حكومة حزب العدالة والتنمية، ذات الجذور الإسلامية.
ولكن هذا القول لا يستند إلى أي أساس سليم، ذلك أن علاقة تركيا باسرائيل في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية تميزت بالتعقيد، خاصة في ظل رئاسة رجب طيب أردوغان لها.
فحسب مصادر إسرائيلية، فان لأردوغان علاقات مركبة مع إسرائيل: فهو يعارض بشدة نشاطاتها العسكرية في الضفة الغربية، لكنه أقام علاقات جيدة مع أرييل شارون خلال فترة فك الارتباط عن غزة.
وكذلك فعل مع إيهود أولمرت قبل عملية «الرصاص المصبوب» في غزة، وهو يقاطع نتنياهو بصورة واضحة، لكنه يتعامل مع إيهود باراك وزير الدفاع في حكومة نتنياهو.
وعلى الجانب الآخر، هناك من يعطي لهذا التحول أبعادا اخرى مختلفة، في مقدمتها أن تركيا التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الاوروبي، وجدت أن هذا الأمر ليس مشروطا بأن يمر عبر البوابة الاسرائيلية، كما كانت الحكومات التركية السابقة تعتقد.
بل يمكن القول إن الانتقادات التي يوجهها المسؤولون الاتراك إلى إسرائيل، تجد هوى لدى الدول الأوروبية، لانها تتوافق إلى حد كبير مع السياسات الاوروبية في ما يتعلق بقضايا الشرق الاوسط.
وبالطبع فان إسرائيل تمارس سياسة اقليمية، تريد ان تكون بموجبها هي الدولة المركزية في نظام إقليمي شرق اوسطي جديد، في الوقت الذي تنازعها تركيا هذا الطموح، حيث لاحظ مراقب أنها تتصرف باعتبارها دولة إقليمية كبرى، تستند إلى تاريخها وحاضرها، وتسعى لاستيعاب صغار اللاعبين في المنطقة، ومن بينهم إسرائيل.
وقد أصبحت هناك قناعة لدى النخبة التركية الحاكمة، بأن حاضر بلدهم ومستقبله مرتبطان بمتانة الاقتصاد، وبالعلاقات الاقتصادية والسياسية الجيدة مع المحيط المباشر، وليس بالبوابات المصطنعة التي كانت اسرائيل واحدة منها، وهم لذلك انفتحوا على سوريا والعراق وإيران ولبنان وأرمينيا.
وهذا الانفتاح أعطى تركيا مكانة دولية قد تقنع الاتحاد الأوروبي في النهاية بقبولها عضوا فيه، لان ذلك سيساهم في تمتين العلاقة بينه وبين منطقة الشرق الاوسط ودول العالم الاسلامي، خاصة وأنه يمكنه أن يستفيد من العلاقة التي تربط بين تركيا ودول هذه الدوائر الإقليمية المتعددة.
وهذه المعطيات تؤكد أن علاقات تركيا وإسرائيل ليست مرشحة للتحسن في المرحلة المقبلة، لكنها تؤكد ايضا أن اسرائيل أصبحت في موقف إقليمي صعب، والدليل على ذلك هو الاعتذار الذي قدمته لتركيا، حيث أصدر نائب وزير الخارجية الاسرائيلي داني أيالون اعتذارين للسفير التركي، استجابة لشروط أنقرة..
وجاء الاعتذار الثاني قبل نهاية المهلة التي منحتها أنقرة لتل أبيب، لتقديم الاعتذار وإلا ستسحب تركيا سفيرها في إسرائيل، وذلك في رسالة بعث بها أيالون إلى السفير التركي، وبالتنسيق بين رئيس الحكومة نتنياهو ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان.
وأعرب نتنياهو عن أمله في أن تؤدي الرسالة إلى نهاية الأزمة مع تركيا، مجددا التعبير عن قلقه من التباعد في العلاقات التركية الاسرائيلية، واصدر تعليماته للجهات الدبلوماسية والمهنية في الحكومة، للبحث عن سبل للحيلولة دون استمرار هذا الوضع.
والموقف الصعب الذي تواجهه اسرائيل، يتمثل في أنها تواجه عزلة اقليمية في ظل حكومة اليمين الحالية، وخسارتها تركيا تعني أنها أصبحت معزولة تماما عن المحيط الإقليمي لها، وهو ما يمكن ان يؤثر سلبا على علاقاتها الدولية، ويجعلها عرضة لضغوط متعددة من أجل تقديم تنازلات في ملف العلاقة مع الفلسطينيين.
والامر الخطير في ذلك، أن اسرائيل التي كانت عادة ما تواجه هذا الامر بتنشيط اللوبي الموالي لها في واشنطن، من أجل الضغط على تركيا عبر أساليب متعددة، تدرك أن اللوبي الموالي لها المسمى «إيباك»، تراجع نفوذه لدى اليهود الاميركيين، لصالح مجموعة يهودية أخرى تدعو إلى تسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وكانت إسرائيل تساعد تركيا في السابق عبر إيباك في حل مشكلات تركية أميركية، وهو ما لم يعد متاحا في الوقت الراهن.
وبالتالي فإن ما نشهده حاليا من توتر في العلاقة بين الجانبين، هو أمر مرشح للتكرار، وليس إلى الانتهاء، وفقا لمعطيات متعددة.
كاتب مصري