قبل أيام عقدت عدة اجتماعات في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، حضرها ممثلو وزارات المالية والتجارة والاقتصاد في الدول العربية، من أجل استكمال إجراءات البرنامج الخاص بالاتحاد الجمركي العربي.
وتنشط الدول العربية منذ فترة لاستكمال خطوة مشروع هذا الاتحاد، وصولا لاستراتيجية جديدة للتكامل الاقتصادي العربي خلال العقد الجديد، بانبثاق ما يعرف بالسوق العربية المشتركة عام 2020.
ونحن نتصفح هذه المتابعات العربية المشتركة، نتوقف عند كثير من المشروعات العربية التي لم يكتب لها النجاح، منذ أن أنشئت جامعة الدول العربية عام 1945 وحتى يومنا هذا.
والتساؤل الأصعب حول هذا الزمن الذي يمضي دون أن يشعر الإنسان العربي بمساعٍ حقيقية في سبيل نهضته الاقتصادية من ناحية، وعدم استشعاره من ناحية أخرى لما يعرف بالتنمية المستدامة، سواء على مستوى القطر الواحد أو على مستوى الوطن العربي الكبير!
ولعل البعض يظل متشائما في منظوره الشخصي لمستقبل هذه المشروعات العربية المشتركة، ولسان حاله يقول: هل يأتي يوم نشهد فيه منجزنا العربي الواحد؟ وهل تكتمل المشروعات بعد مضي خمس وستين سنة على قيام الجامعة العربية، أم أن في الأفق خمسا وستين أخرى في انتظارنا؟
الواقع أن التكتلات الاقتصادية التي يعرفها العالم اليوم، هي التكتلات التي تشكل ثقلا في جميع النواحي، والعجيب أننا منذ أن كنا صغارا على مقاعد الدراسة، ونحن نحلم بهذه السوق العربية المشتركة، وبالوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي. ولكن رغم مساعي البعض في هذا الاتجاه، إلا أنه يظل هناك خلل ما لم تكشف أسبابه حتى اللحظة!
فلا تزال التجارة البينية العربية عند مستوى 15%، رغم انقضاء أربع سنوات على بدء تطبيق منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، مقابل 40% لمنطقة آسيان، و70% لمنطقة أوروبا.
وعليه فإن هناك مراوحة للوضع القائم لما قبل إنشاء منطقة التجارة العربية، فالقيود غير الجمركية، وخصوصاً الإدارية والفنية والكمية والمالية، لا تزال تكبل تفعيل هذه المنطقة، إضافة إلى العقبات التي تواجه قطاع النقل والاتصالات.
إن العمل لتعميم التجارب الناجحة، ليس بالضرورة بأن نبدأ كما بدأ البعض من الصفر، وننتظر حتى نصل متأخرين كثيرا إلى الحظيرة الاقتصادية المنشودة، لنجد أننا بتنا في عصر وأصبحنا في عصر آخر.
فالتخلف في معطيات التنمية في بلداننا العربية يكاد يرجعنا إلى العصر البدائي، وبعض دولنا العربية ترزح تحت وطأة الفقر وهي تتفجر أنهارا وموارد مختلفة، ولكن تظل العقليات التي تدير هذه الإمكانات هي المصيبة الكبيرة.
لذلك نتفهم تشاؤم بعض المثقفين من مستقبل هذه الأمة، التي تعاني أزمة سياسية تنعكس بصورة حادة على إنجازاتها الحضارية، والتي لا تعرف كيف ترسي قواعد التنمية السياسية أو الاقتصادية.
وحتى في المجال الصناعي والتقني والعلمي، الذي ذهبت إليه دول الجوار كتركيا وإيران، وحتى في الكيان الصهيوني، ورغم ذلك لم نستطع حتى يومنا هذا الشعور بالغيرة لمحاكاتها، وهو أضعف الإيمان.
إن الإنسان العربي يظل حانقا، ويظل مكسورا في تطلعاته، لأنه لا يملك إلا أن يحلم ويودع حلمه لأناس لا يثق فيهم، ولذلك تجده منعزلا عما يحدث، ومنقطع الصلة بالأحداث السياسية والاقتصادية، ومركزا كل ثقله على الرياضة، أو غارقا في عالم الفن. ولا نريد أن نعمم هذه الصورة على الجميع، وإن كانت في واقعنا هي الأعم.
ويبقى هناك من رحم ربي ممن يواصل تعاطيه مع هذه الطموحات، التي تشعره بالمسؤولية تجاه ضرورة التغيير والإصرار على نقد الواقع، علّ صوته يسمع يوماً ما. ففي إحدى المقابلات الصحافية أوجز المفكر العربي برهان غليون كثيرا من علل الواقع.
حيث يقول «ليس هناك إذن أي سر في تراجع دور الدول العربية الرئيسية التي كان يعول عليها لإعادة بناء المنطقة العربية وإدماجها، مثل مصر والسعودية وسوريا وغيرها، وانحسار نفوذها جميعا في المنطقة، ما خلا ما تحقق بالقوة والقهر».
مشيرا إلى أن «معظم الدول العربية اختارت التفريط في الاستقلال والسيادة، للحفاظ على دعم الولايات المتحدة وأوروبا لنظمها السياسية (...) وأدارت ظهرها للديمقراطية في سبيل تأكيد استقرار خادع».. ربما يتفق البعض مع «غليون».
وقد يذهب آخرون في تحميل الواقع أسبابا أخرى ومن زوايا مختلفة.. ولكن يتفق أبناء هذه الأمة على تخلفها، وتظل التجارب الناجحة في بعض الدول العربية، هي تجارب استثنائية وجزئية.
فالأجيال العربية تحيا وتموت دون أن ترى أحلامها البسيطة تتحقق، وفي واقعنا العربي يظل الفشل متواليا، والإخفاق متواصلا، وكأنه الفعل الوحيد الذي تتفوق في انجازه هذه الأمة! فحتى متى نستمرئ هذه الحالة التي أصابت بعضنا بالذهان، لدرجة أن بعضنا يجد راحته النفسية في هذا الانسحاب المتعمد؟!
كاتبة إماراتية