العلاقات الثقافية القديمة بين العرب والشعب الروسي، وضعت أسسا راسخة لتواصل مستمر، توارثته الأجيال من الشعبين العربي والروسي عبر حقب مختلفة من الزمان، وتأثرت هاتان الثقافتان ببعضهما من خلال الرواد من المبدعين الكبار.
وكثيرون من عظماء الأدب الروسي يعترفون ويفتخرون بتأثرهم بالثقافة العربية والإسلامية، ويقول الكاتب الروسي السوفيتي الثوري ماكسيم غوركي «لقد قرأت وأنا في عمر الثانية عشرة الأساطير العربية، وأعترف شخصياً أنه كان لها تأثير إيجابي تماماً على نموي العقلي».
ومن قبل غوركي، كان الكاتب الروسي العظيم صاحب «الحرب والسلام» ليف تولستوي، الذي لم يخف انبهاره وإعجابه بالشرق وبالدين الإسلامي، وبالقرآن الذي قال تولستوي إنه قرأه أكثر من مرة، وتعرف من خلاله على حياة العرب قبل وبعد الإسلام.
وقد وضع تولستوي الكثير من المؤلفات التي عكست تأثره الشديد بالثقافة العربية والإسلامية، مثل روايته الشهيرة «حاجي مراد» وكتابه عن نبي الإسلام محمد تحت عنوان «نصائح النبي».
وقبل تولستوي كان شاعر روسيا العظيم ألكسندر بوشكين، قد تأثر بشكل كبير بالدين الإسلامي وبنصوص القرآن وبنبي الإسلام محمد وسيرته، كما تأثر بوشكين بالأدب العربي والشرقي عموما، وكتب قصائد وروايات عديدة في هذا المجال، مثل قصيدته الشهيرة «النبي» التي قدم فيها إحدى سور القرآن الكريم في قالب شعري جميل، أعجب به الكثير من علماء الإسلام، كما وضع مجموعة أخرى من القصائد تحت عنوان «محاكاة القرآن».
وغير بوشكين وتولستوي، هناك العديد من المفكرين والكتاب الروس الذين تأثروا بشكل واضح بالأدب العربي والإسلامي، أمثال ليرمنتوف وغوغول وغيرهما، ووصل مستوى اهتمام بعض هؤلاء، أمثال تولستوي وبوشكين وليرمنتوف، بالدين الإسلامي إلى درجة ظهور آراء حديثة في الأدب الروسي، ترى أن هؤلاء الكتاب اعتنقوا الدين الإسلامي، وإن كانت هذه الآراء ما زالت محل جدل ونقاش.
اهتمام مشاهير الأدب الروس، وفي مقدمتهم بوشكين وتولستوي، بالأدب العربي والإسلامي، شكل حالة استثنائية في علاقة الشعب الروسي بالشعوب العربية والإسلامية، وأعطى دعامة قوية للتقارب بين الحضارتين العربية والروسية.
وجاء بعد ذلك الأدباء والمستشرقون الروس والسوفيت، الذين لعبوا دوراً بارزاً في إحياء وبعث هذا الإرث الثقافي بين العرب والروس، وساعدت على ذلك حركة الترجمة والطباعة من الروسية إلى العربية والعكس، والتي نشطت بشكل ملحوظ في العهد السوفيتي.
وهو ما أسهم في خلق قاعدة واسعة من التبادل والاستيعاب الثقافي، الذي قاد إلى ظهور متخصصين وعشاق جدد للتراث الثقافي العربي، من المستشرقين الروس، وظهور مبدعين من أدباء وفنانين عرب تأثروا بعمالقة الأدب الروسي.
التأثير المتبادل بين الثقافتين العربية والروسية، أوجد قاعدة كبيرة من المصالح والعلاقات الإنسانية عبر حقب التاريخ المختلفة، كما أوجد أيضاً قائمة كبيرة من الكتاب والمؤرخين والفنانين والأدباء والباحثين، الذين أغنوا المكتبتين العربية والروسية خلال القرون الماضية، وخاصة خلال القرن العشرين.
غير أن هذا التراث الثقافي الثري، يحتاج الآن إلى إحياء وتجديد، بغرض تقديمه من جديد للأجيال من الشباب العرب والروس، لتجسيد التواصل الحضاري والمعرفي بين شعوب البلدان العربية وشعوب روسيا الاتحادية. هذا التواصل تفرضه معطيات وضرورات تاريخية وجغرافية، تشير إلى وجود امتداد استراتيجي بين روسيا في الشمال وبلدان العرب القريبة في الجنوب.
كما تفرضه طباع الشعب الروسي نفسه التي تميل للشرق أكثر منها للغرب، هذا إلى جانب عامل هام، وهو السمعة الطيبة للإسلام والمسلمين في روسيا، هذه السمعة التي لم تتأثر، لا بالحملة الغربية على الإسلام.
ولا بأحداث الإرهاب التي يقوم بها البعض داخل روسيا تحت شعارات الإسلام، والإسلام منها بريء تماما. وهذا ما قاله مرارا وتكرارا رئيس روسيا الحالي ديمتري ميدفيديف، وسلفه الرئيس السابق ورئيس الحكومة الحالي فلاديمير بوتين.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي