مجالس الإدارة، أو مجالس المديرين، للشركات العامة، أي تلك الشركات والمؤسسات المالية، كالبنوك والتي تسهم في رأسمالها مجموعة من المساهمين.. هذه المجالس في الإمارات تختلف في مفهومها وأدائها عن مثيلاتها في أماكن أخرى، فهي في الإمارات، من خلال التجارب التي يمر بها أي واحد ضمن تعامله مع هذه المجالس، أصبحت شيئا ترفيا وديكوريا (زايد عن اللزوم).
وما وجودها الاسمي إلا من قبيل التقليد ومجاراة ما تتطلبه هيكلية هذه الشركات من الناحية التنظيمية، في أي مكان تؤسس فيه هذه الشركات، ومن هذه الأماكن الإمارات التي وضعت قانونا لتنظيم الشركات التجارية تقليداً وسيراً على منوال استكمال تشريعاتها وقوانينها العامة.. دون أن تكون فيها، أي في الإمارات، أية آليات تتابع، ناهيك عن أن تراقب تطبيق هذه التشريعات من قبل الشركات أو المجموعات التي يعنيها الأمر..
ومن المعلوم أن التجارة وممارسة الشأن المتعلق بها، هي إحدى الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها حياة الإمارات والمقيمين فيها من مواطنين وغيرهم.. صحيح أن النفط يمثل الجانب الأهم في الاقتصاد الإماراتي.
ولكن الجانب التجاري لا يقل أهمية، لا سيما لأجزاء كبيرة من الإمارات التي لا تعتمد على النفط، وتعتبر المركز التجاري الأول في المنطقة كدبي، على سبيل المثال، التي لا يمثل النفط سوى 15% أو نحو ذلك من عائداتها.
وما دام الأمر بهذه الأهمية، فإن التشريعات التي تكفل الحرية في مزاولة التجارة وعدم اللجوء إلى أي قيود تحد من حركة هذه التجارة، شيء حيوي وهام، وكانت دبي وما تتيحه من الحرية للتجار أصحاب رؤوس الأموال لمزاولة مهنتهم دون عوائق، مثالاً جيداً أدى إلى أن تتبوأ هذه الإمارة المكان الكبير في العالم، ولا تجد شركة من الشركات التجارية التي لها علاقة بالشرق الأوسط، إلا وتتطلع إلى أن يكون لها نشاط وفرع لأعمالها في دبي، والنظر إلى دبي كعاصمة تجارية للمنطقة.
ولا تعني الحرية التجارية أن تكون بغير ضوابط وبغير قوانين وتشريعات تنظم أحوالها، وإنما تعني الحرية أن لا تكون هناك إجراءات بيروقراطية تقف عائقاً أمام المنشآت التجارية لتنمو وتتوسع في أعمالها، طالما أن هذه المنشآت ليس في نشاطها ما يتعارض مع النظام الدولي العام..
كذلك فإن من المعوقات التي تؤدي في نهاية المطاف إلى استشراء الفساد الإداري، والتأثير الكبير على أداء الشركات التجارية المساهمة، مما يجعل عائداتها تتعرض للمخاطر وتسير في طريق الانكماش والانحدار بدلاً من النمو المطرد، هو غياب الرقابة من لدن سلطات الترخيص لهذه الشركات، أو وزارات التجارة والاقتصاد أو البنوك المركزية، كما هو الحال في الإمارات.
وجاءت نتائجها المتعثرة واضحة وبادية للعيان. وفي رأيي أنها سوف تؤول إلى الأسوأ، ما لم يتم تدارك الأمر وإيجاد آليات تكون محل ثقة، ولا تجامل على حساب المصلحة العامة ولا تخشى لومة لائم في تعاملها الرقابي مع هذه المؤسسات والشركات التجارية، ومجالس إدارتها على وجه الخصوص..
ومن الضروري والحتمي أن تقوم السلطات الرقابية المختصة بإعادة النظر في هيكلية مجالس الإدارة المشار إليها وبأسرع ما يمكن، قبل استفحال السيئات، وذلك بخطوات تبدأ بتفعيل الجمعيات العمومية للشركات، التي من المفترض أن تكون موجودة وفاعلة لهذه الشركات المساهمة.
وهي الجمعية التي تتكون من كل حملة أسهم هذه الشركات التي من الضروري أن تجتمع مرتين كل عام للاطلاع على أوضاع الشركة، ومناقشة ميزانياتها وانتخاب أعضاء جدد أو إعادة انتخاب مجلس الإدارة، بالطرق الانتخابية الصحيحة، بعيداً عن الضغوط والمحسوبيات التي تمارس من قبل المتنفذين في مجلس الإدارة..
ومن الأخطاء الدافعة في إدارة هذه الشركات، والتي تؤدي إلى تعثرها وعدم نموها، أن رؤساء مجالس الإدارة هم أصحاب الحول والطول، ويستطيعون أن يفعلوا ما يريدونه، حتى في الأمور المتعلقة باختيار أعضاء مجلس الإدارة وتسيير الأمور بإدارة شخصية في الجمعيات العامة.. بالإضافة إلى أن رئيس المجلس وكذلك عضو المجلس يمثلان أكثر من مجلس إدارة، الشيء الذي يتعارض تماما مع الأصول المتبعة في أماكن أخرى من العالم.
وفي رأيي أنه ما لم تتخذ إجراءات لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، فإن الشركات ستتعرض لما لا تحمد عقباه، وعلى البنوك المركزية والوزارات المختصة في الدولة، أن تنتبه لذلك ولا تترك الحبل على الغارب، كما هو واقع الحال.
كاتب إماراتي