درج الاقتصاديون على تلخيص الأداء الاقتصادي لدولة ما في معدل نمو الناتج الكلي لهذه الدولة. فإذا ارتفع هذا المعدل اعتبر الأداء جيدا (في العادة)، والعكس بالعكس.

الاقتصادي يعرف بالطبع أن هناك أشياء أخرى مهمة يتوقف عليها الحكم بالنجاح أو الفشل في الأداء الاقتصادي، ولكن إذا كان لا بد من اختيار معيار واحد، فهو هذا المعيار: معدل نمو الناتج.

ويبرر الاقتصادي هذا الموقف بأن أشياء كثيرة مرغوب فيها، يتوقف تحققها إلى حد كبير على هذا المعيار. من ذلك مثلا ارتفاع مستوى العمالة (أي انخفاض معدل البطالة). ففي رأي الاقتصادي أن استمرار معدل مرتفع لنمو الناتج القومي، كفيل عاجلا أو آجلا بحل مشكلة البطالة، إذ إن ارتفاع معدل نمو الناتج لا بد أن يصاحبه ارتفاع في معدل الاستثمار، وارتفاع معدل الاستثمار لا بد أن يصاحبه ارتفاع معدل الطلب على العمال، فينخفض مستوى البطالة.

هذا الربط بين ارتفاع معدل نمو الناتج وتخفيض معدل البطالة، موقف قديم للاقتصاديين، يعود إلى أكثر من مائتي عام. ففي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، قامت الثورة الصناعية في انجلترا وفرنسا، التي تضاعفت خلالها الاكتشافات العلمية وتسارع تطبيق هذه الاكتشافات في تطوير التكنولوجيا المستخدمة في الصناعة، فارتفع بشدة معدل نمو الناتج القومي.

وفي نفس الوقت (وعلى الأرجح لنفس السبب) حدث تطوران مهمان في ميدان الفكر. الأول قيام مدرسة مهمة في الاقتصاد هي المعروفة باسم المدرسة التقليدية (أو الكلاسيكية)، بل وقد يعتبر البعض ظهور هذه المدرسة النشأة الأولى لعلم الاقتصاد نفسه.

هذه المدرسة كانت تحاول أن تحلل وتفسر أسباب زيادة «ثروة الأمم» (وهذا هو عنوان كتاب آدم سميث الذي ظهر عام 1776)، وتشرح ما يقترن بارتفاع معدل النمو من تطورات في مختلف جوانب الاقتصاد. أما التطور الفكري الثاني فكان بداية ظهور الفكر الاشتراكي الحديث، الذي كان يحاول أن يفسر ما يحدث للعمال من جراء هذه الثورة الصناعية، وما يتعرضون له من غبن واستغلال، وأن يضع الحلول لهذه المشكلة.

كانت البطالة من أهم المشكلات التي اهتم بها هؤلاء الاشتراكيون، إذ أدى انتشار استخدام التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج إلى إحلال الآلة محل العمل الإنساني، وتشرد كثير من العمال الذين كانوا يقومون من قبل بإنتاج نفس السلع، ولكن بطرق يدوية وبدائية.

مع انتشار البطالة، كان من الطبيعي أن تميل الأجور إلى الانخفاض، إذ يتنافس العمال الباحثون عن عمل في الحصول على فرص العمل، فيقبلون أجورا أقل مما كانوا ليقبلونه في ظل بطالة أقل. ومن ثم نادي الاشتراكيون بتدخل الدولة، من أجل حماية العمال من البطالة ومن انخفاض الأجور.

رفض اقتصاديو المدرسة التقليدية هذا الموقف، فقد كانوا معادين بشدة لتدخل الدولة في الاقتصاد، وكان ردهم على الاشتراكيين يتلخص في التأكيد على رفع معدل نمو الناتج القومي، فاستخدموا الحجة التي ذكرتها حالا، وهي أن حل مشاكل العمال يتوقف على رفع معدل النمو.

وقالوا إنه ليست هناك وسيلة لتشغيل مزيد من العمال، إلا زيادة الاستثمار، أي التنمية، وهذه التنمية هي نفسها التي سوف تضمن، ليس فقط تشغيل المزيد من العمال وتخفيض البطالة، بل وستضمن أيضا رفع أجور العمال آجلا أو عاجلا، ما دام ارتفاع الأجور هو النتيجة الطبيعية لندرة العمل.

ظلت هذه الفكرة (أي اعتبار حل مشكلة البطالة مرهونا برفع معدل النمو، ورفض تدخل الدولة في الاقتصاد) سائدة في العالم الرأسمالي، منذ قال بها الاقتصاديون التقليديون وحتى اليوم، مع استثناءات قليلة، كالذي حدث خلال الأزمة الاقتصادية الشهيرة في الثلاثينات من القرن الماضي، عندما نادى الاقتصادي الانجليزي الشهير جون مينارد كينز، بضرورة تدخل الدولة لحل مشكلة البطالة.

كما أخذت الدول الاشتراكية بعكس الفكرة التي قال بها الاقتصاديون التقليديون، إذ رفضت هذه الدول اعتبار نمو الناتج القومي كافيا لحل المشاكل الاجتماعية.

من المدهش حقا استمرار التمسك بهذه الفكرة القديمة، رغم وجود أدلة قوية على خطئها. قد تكون الفكرة صحيحة في التجارب الأولى في النمو السريع، إذ إن التصنيع خلال الثورات الصناعية الأولى كان يعتمد على أساليب تكنولوجية بسيطة نسبيا، بالمقارنة بأساليب الإنتاج المطبقة اليوم، ومن ثم كان الاستثمار والنمو يصاحبهما طلب كبير نسبيا على العمال.

ولكن مع تقدم التكنولوجيا خلال القرنين الماضيين، أصبحت التكنولوجيا المطبقة أقل استخداما للعمالة بالنسبة لاستخدام رأس المال، ومن ثم أصبح من الممكن جدا أن ينمو الناتج بسرعة وتزيد البطالة في نفس الوقت.

أضف إلى ذلك أنه في التجارب المبكرة في التصنيع، كان الإنتاج أقل اعتمادا على الاستيراد منه الآن، إذ كان اقتصاد كل دولة معتمدا على نفسه أكثر منه الآن. ومن ثم كانت زيادة الإنتاج تصحبها زيادة الطلب على المواد الأولية والسلع الوسيطة المنتجة محليا، أكثر مما أصبح عليه الحال الآن، في ظل درجة أعلى من العولمة.

كان هذا معناه أن زيادة الانتاج تصحبها زيادة في الطلب الوطني أكثر من الحاصل الآن، حيث أصبح من الممكن أن تصحب زيادة الانتاج في دولة، زيادة الطلب على عمالة أجنبية، في خارج هذه الدولة، أكثر من زيادة الطلب على العمالة المحلية. لا عجب أننا أصبحنا اليوم نرى في بلاد كثيرة، في العالم المتقدم والمتخلف على السواء، إنتاجا يزيد بسرعة، دون أن يصاحبه انخفاض في مستوى البطالة.

لقد زاد في الآونة الأخيرة الثناء على التجربة الهندية في التقدم الاقتصادي، استنادا إلى ارتفاع معدل نمو الناتج القومي إلى مستويات غير مألوفة في الهند من قبل. ولكن لاحظ بعض المراقبين أن هذا النمو السريع في الناتج، لم يصاحبه تقدم مماثل في حل مشكلة البطالة.

ففي الهند اليوم، إلى جانب التقدم التكنولوجي السريع، والزيادة الكبيرة في الناتج القومي، تزداد أعداد الشباب من المتعلمين الباحثين عن عمل بلا جدوى، ويزداد الاعتماد على العلاقات الشخصية أو العائلية، بل وعلى تقديم الرشاوى، في سبيل الحصول على وظيفة. وذكر البعض أنه من المألوف أن تجد ما لا يقل عن عشرة آلاف شاب هندي يتقدمون للمنافسة، بناء على إعلان عن وظيفة لشخص واحد.

على الاقتصاديين أن يكفوا إذن عن الترويج لهذه الفكرة؛ فكرة الارتباط الحتمي بين تنمية الدخل أو الناتج، وبين تشغيل العمال. فحل مشكلة البطالة لا يحتاج إلى أكثر من مجرد التنمية.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu