طالعت خلال العطلات كتاباً رائعاً من تأليف جينين ويدل، يحمل عنوان «نخبة الظل: كيف يمكن لسماسرة القوة الجديدة في العالم القضاء على الديمقراطية والحكومة والسوق الحر».

وهذا الكتاب مثير للقلق والإزعاج، فهو يعلل سبب صعوبة تحقيق أي تغير حقيقي في الولايات المتحدة، ولماذا لم تعد واشنطن قادرة على حل المشكلات التي يواجهها الشعب الأميركي. وتخوض المؤلفة في التفاصيل كافة في هذا المجال، بدءا من التقسيم الانتخابي، مروراً بالاستقطاب الحزبي، وانتهاءً بإساءة استخدام السلطة. ولكن كما تقول ويدل، فإن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك وأكثر إرباكا.

وتشير المؤلفة إلى هيمنة فئة انتقالية جديدة من النخبة على مقدرات الولايات المتحدة، وهم يتنكرون بأشكال عدة في الوقت نفسه، فيبدون كاستشاريين تجاريين، ومفكرين بارزين، ونقاد تلفزيونيين، ومستشارين حكوميين يتنقلون بين المؤسسات ويعرضون خدماتهم، ولا يوزعون أوقاتهم، وإنما يوزعون ولاءهم الذي غالبا ما يكون مرنا.

وأطلقت ويدل على هذه الفئة الجديدة من أصحاب النفوذ، اسم «الفئة المرنة»، كما تطلق على النظام المغلق الذي ابتكروه اسم «الشبكة المرنة». وعزت قوتهم من بين عوامل أخرى، إلى ادعائهم الإيمان بالحقيقة، وهذا يتيح للناس التلاعب بالطريقة التي يقدمون بها أنفسهم إلى العالم، بغض النظر عن حقيقتهم أو سجلهم الحافل.

وتستشهد ويدل بالجنرال المتقاعد باري ماكفري، كمثال لهذه الفئة العالمية الجديدة والخارقة، وتقول إنه عضو في نخبة الظل، وأنه يعمل في وظائف حكومية عدة، وينتقل إلى القطاع الخاص، ويظهر على شاشة التلفزيون، ويجمع الشيكات المصرفية السليمة من شركات تستفيد من استشارات هذا السمسار واسع النفوذ. وماكفري هو واحد من نقاد البنتاغون القابضين، وقد حصل على جائزتي بولتزر مقابل قصتين نشرهما على الصفحة الأولى من صحيفة «نيويورك تايمز» العام الماضي.

ومع ذلك، ما زال يظهر على شاشة التلفزيون ويقدم إلينينا نصائحه الحكيمة بشأن كيفية مكافحة الإرهاب. وبسبب ما أشارت إليه ويدل مرارا وتكرارا، فإن نخبة الظل يحتفظون بالمهدئات لكي يظهروها في تجسدهم التالي، مهما حصل من تضارب في مصالحهم، وانكشف تقويضهم للمصالح العامة. وهناك شخصية مرنة رئيسية أخرى.

وهو وزير الخزانة الأميركي السابق روبرت روبن، فهو باد للعيان بشكل كامل، وسيرته الذاتية وإنجازاته المزعومة معروضة في عدد 2010 الخاص من مجلة «نيوزويك».

حيث دون في المجلة مقالة مطولة عن موضوع «إعادة الاقتصاد إلى مساره»، وأظهر فيه فشله الذريع بطريقة تتسم بالمرونة، في تقديم تفسيراته أو اعترافاته، علاوة على اعتذاره، عن الدور الرئيسي الذي لعبه بالدرجة الأولى، في إخراج الاقتصاد الأميركي عن مساره.

وتجسد سيرة روبن الذاتية بالكامل الشبكة المرنة التي ينتمي إليها، في أوج نشاطها، حيث تنقل في وظائف عدة، سياسية واقتصادية واستشارية، في الحكومة والقطاع الخاص تقاضى منها ملايين الدولارات.

وفي موضوع روبن في «نيوزويك» الذي يزيد عدد كلماته على 2500 كلمة، أثارت اهتمامي هذه الجملة في نهاية الموضوع، والتي تتحدث عن سيرته الذاتية: «عمل روبن وزيرا للخزانة بين عامي 1995-1999، وهو يعمل الآن رئيسا تنفيذيا لمجلس العلاقات الخارجية، وزميلا في مؤسسة هارفارد».

ونظراً لأن هذا الموضوع هو عن الانهيار الاقتصادي، تقول المجلة إن سيرته الذاتية لا تشمل عمله لنحو 10 سنوات في مصرف «سيتي بنك»، ولا ننسى أنه خلال تلك الفترة اضطر دافعو الضرائب الأميركيون لإنقاذ البنك من الإفلاس.

إذن، هذه هي الطريقة التي تعمل بها الشبكة المرنة: «يمكنك أن تعبث وتدمر مصرفا، وتحصل منه على فائدة منمقة، ثم تساير طريقتك البهيجة، وتتحدث على طريقة الأساقفة بشأن الميول الأساسية وغير المتوقعة للأسواق، وربما تكون مترسخة في الطبيعة البشرية، للحصول على وفرة، ربما بشكل مقلوب وعلى الجانب السلبي».

ترى كم عدد الأشخاص الذين يتذكرون التفاصيل الرئيسية في عمل روبن أيام رئاسة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وقراراته الخاطئة التي ساهمت بشكل رئيسي في الانهيار الاقتصادي، وفي ممارسته الضغوط على الخزانة الأميركية أيام الرئيس السابق جورج بوش لمنع تخفيض التصنيف الائتماني لمجموعة «إنرون»، وهي واحدة من دائني «سيتي غروب»؟!

لنأخذ، على سبيل المثال، معركة الرعاية الصحية، فعلى الرغم من أن ويدل استكملت كتابها قبل أحدث الانعطافات في العملية التشريعية، فإنه من خلال قراءة «نخبة الظل»، يشعر المرء بأنه يلقي نظرة خاطفة على كيفية التعاطي مع شركات التأمين والأدوية، وكيف أنها بدأت كحافز للإصلاح الحقيقي وانتهت كمفاجأة سارة.

وفي النتيجة فإن مشروع قانون مجلس الشيوخ النهائي بشأن الرعاية الصحية، المزمع إرساله إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما، يبدو أساساً كمشروع القانون نفسه الذي سحب قبل أشهر من مكتب ماكس بوكس من قبل موظفيه التنفيذيين في الرعاية الصحية، ومن جماعة الضغط الخاصة به.

ومن الواضح أن النقاش الطويل والعقيم حول هذا الموضوع والمستمر منذ أشهر طويلة، ليس سوى مهزلة، وأنه لا يشك أحد في النتيجة النهائية التي سيتم التوصل إليها. فمشروع القانون تم وضعه وراء الكواليس، وتبدو العملية العامة منذ ذلك الحين في الأساس، كأنها مقتبسة من أحد الأفلام الهوليوودية، وستستكمل بنهاية سعيدة، أو بحسب تعبير مسؤولينا المنتخبين «نهاية تاريخية».

وتشير ويدل إلى أن الجيل الجديد من اللاعبين على المسرح الأميركي، يعملون ضمن رابطة من القوة الخاصة والرسمية، ولا يستطيع مسؤولو هذا الجيل التعاون مع جداول السياسة العامة، فتراهم يضعون سياسة خاصة بهم تكون وفق أهوائهم. وهم يختبرون المبادئ التي تحترم الوقت في ما يتعلق بالدولة العصرية، ورموز التنافس في السوق الحر.

ويطبقون ذلك عمليا من خلال إعادة تنظيم العلاقات بين البيروقراطية والأعمال التجارية، بما يلائم مصالحهم، وينتقدون الجدار المشيد حولهم لعزلهم عن العالم. وتشير ويدل في النهاية، إلى أن الخطوة المهمة في مقاومة تحكم نخبة الظل في الحكومة الأميركية، تشمل فهم أهدافها وبواعثها الحقيقية.

فمجرد كشف بعض أنشطتها لا يكفي، ومن الضروري ضبطها، وإعادة صياغة الطريقة التي ينظر بها الأميركيون إلى الأمور، وكيف يفكرون بها، وكيف يكون رد فعلهم على التصرف بالموارد الأميركية بالنيابة عنهم.

رئيسة تحرير ومؤسسة صحيفة «هومنجتون بوست» الأميركية

opinion@albayan.ae