منطقتنا مليئة بالأحداث المضحكة (أو المبكية) حسب الأوضاع، بعد أن كان العالم في يوم من الأيام لا يتناقل إلا أحاديث وتعليقات وتصرفات نيكيتا خروتشوف وونستون تشرشل وإيزنهاور.. اليوم العالم لا يتحدث إلا عن عبد الله غول وأحمدي نجاد وبنيامين نتنياهو.

ويتناقل تعليقاتهم وإعلاناتهم وتصريحاتهم. ولا نسمع شيئا عن نيكولا ساركوزي أو أنغيلا ميركل أو غوردون براون.. أما باراك حسين أوباما فإلى الآن لا يصرح كثيرا، لأنه ما زال يدرس الأوضاع حوله.

بالأمس كادت أزمة جديدة تتفجر في منطقتنا، ولكن بين إسرائيل وتركيا. والسبب ليس خلافا على أرض ولا على ديون لم تدفع، وإنما على سفير لا حول له ولا قوة.

والكل يعرف أن السفير ومقر السفارة وبيت السفير في أي دولة في العالم، تمثل الدولة التي يمثلها ذلك السفير. وهناك بروتوكولات واضحة ومتعارف عليها بين الدول، تحكم التعامل مع سفراء العالم المبتعثين. ولا يجوز التعرض للسفير بأي شكل من الأشكال. ويجوز طلب مغادرته أراضي الدولة المضيفة لا أكثر.

ولكن يبدو أن هناك دولا لا تخجل بعد من نفسها، وما زالت مصدقة أن زمانها لم يول بعد، وأن كبرياءها وعنجهيتها التي مرغتها المقاومة اللبنانية قبل عامين في وحل جنوب لبنان، ستعيد احترام العالم لها. غير أن الرئيس التركي عبد الله غول، وبثلاث كلمات فقط، وضع النقاط على الحروف، وأعاد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي في أقل من 24 ساعة.

فالموقف والاستقبال والمعاملة المحرجة التي وضعت فيها إسرائيل أوغوز تشليك غول، سفير تركيا لديها، كان سيمر كأمر لا يستحق الذكر لو لم تكن تركيا هي المعنية بالأمر.

ولكن تركيا ليست بالحمل الوديع الذي يسهل قياده ثم ذبحه وسلخه، وإسرائيل تعرف ذلك جيدا. ولكن لا احد يعرف كيف يفسر انجرار نائب وزير الخارجية الإسرائيلي خلف مشاعره المعادية لتصاعد أسهم تركيا في المنطقة؟ وكيف لم يدرس نتائج تصرفاته؟

عبد الله غول قالها واضحة ولا رجوع عنها: إما الاعتذار الرسمي (الخطي) العلني، وإما سحب السفير التركي من إسرائيل! والأدهى من ذلك ليس صيغة الطلب نفسه، وإنما المهلة المحددة: «قبل حلول مساء يوم الأربعاء»! من كان يتصور أن تُعامل إسرائيل بهذه اللهجة التي تشبه لهجة الأستاذ لتلميذه الذي أساء الأدب؟

عبد الله غول أثبت أنه هو ورئيس وزراءه طيب رجب أردوغان، مناوران من الدرجة الأولى، ويلعبان من منطلق القوة والاستراتيجية المحكمة. إن تركيا ليست في حاجة إلى إرضاء دولة بدأت تتآكل من الداخل ومن الخارج، وتنعزل عن العالم بسبب إصرارها على الاستمرار في تصرفاتها غير الشرعية. لقد فقدت طعهما أسطوانة «معاداة السامية» المتكررة.

والتي تدار كلما تم انتقاد إسرائيل وسياساتها غير المشروعة. تركيا لم تغير لهجتها تجاه إسرائيل إلا بعد غزو لبنان الأخير، عندما أدركت مدى هشاشة هذا الكيان، وتدهور قيمة أسهم إسرائيل، وأن من لا يتحكم في تصرفات إسرائيل تتحكم إسرائيل في تصرفاته.

إن المسلسل التركي «وادي الذئاب» ـ والرمز فيه هنا واضح جدا ـ الذي أثار غضب إسرائيل، ثم من بعده مسلسل «الوداع»، يثبتان التكتيك التركي الجديد في المنطقة.

إن سياسة تركيا في المنطقة الممتدة من حدود إيران إلى ما لا يعلمه إلا الله، تتعدى كثيرا المناورات الصغيرة مع دولة بحجم إسرائيل، وتصل ربما إلى إعادة هيمنة الدولة العثمانية على المساحة التي كانت تحت وصايتها، في الوقت الذي تحاول فيه جمهورية إيران الإسلامية من الطرف الآخر من الشرق الأوسط، إعادة هيمنة الإمبراطورية الفارسية زمن الرومان. والعقبة الأساسية الوحيدة في طريق هاتين القوتين: هي إسرائيل.

فبينما تحاول الأولى سحب البساط من تحت أقدام إسرائيل، لم تتوقف الثانية عن الحلم بإزالتها تماما من الخارطة. وكلتا القوتين ستجدان بكل سهولة ويسر، كتائب جاهزة ومستعدة للتضحية من بين الشعوب العربية والإسلامية، من الأطراف المتشددة التي فاض بها الشعور بالظلم والغبن والإهانة.

والواقع أن شدة ارتباك إسرائيل من هذه التطورات المتسارعة في المنطقة، إضافة إلى انتعاش أسهم سوريا، هي التي دعت نائب وزير خارجيتها المرتبك لارتكاب مثل هذه الحماقات الفاضحة مع سفير تركيا (الذي لا نعرف كيف لم يحتج ولم يغادر المقر من البدء، وظل يتلقى بصبر ودبلوماسية الإهانة تلو الأخرى).

ولكن بدلا من إذلال السفير التركي انقلب الإذلال في النهاية على صاحبه. وربما من أجمل التعليقات هو ما قاله وزير الصناعة الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر غاضبا من هذا التصرف: «لدينا ما يكفي من المشاكل مع العالم الإسلامي، وفقد تركيا يعني أن العالم الإسلامي بأكمله سيكون ضدنا».

الموضوع خطير، وردة الفعل التركية تشبه ضربة معلم على قفا تلميذ قليل الأدب، لن تنساها إسرائيل بعد اليوم، وليت قومي يعلمون.. أو يتعلمون..

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com