يبدو أن الرقابة على الامتحانات لم تتطور، بالرغم من ان التكنولوجيا تتوفر في الأسواق اليوم وبأسعار مناسبة وسائل رقابة تجعل عين الرقيب تتحول إلى أربع عيون، وقاعات اللجان مكشوفة بالكامل، بالداخل والخارج منها.. بعض الطلبة ما زالوا يتحدثون عن بطولاتهم في إخفاء البرشام والنقل منه أثناء الامتحان، وبعضهم ما زال يتحدث عن إغفال الرقباء وتقصيرهم في أداء مهامهم.
حيث تتحول القاعة إلى سوق مداولات على إجابات الأسئلة بين الطلبة.. بالأمس جلست إلى مجموعة من هؤلاء، وكانوا يتحدثون عن بطولات «غش» مضحكة ومحزنة في الوقت نفسه..
فاحدهم كدس في جيبه رزمة من قصاصات صغيرة تحمل الإجابة نفسها، وكان كلما سحب منه المراقب ورقة البرشامة، سحب هو واحدة أخرى من جيبه واكمل، والغريب ان الرقيب استمر في سحب البرشام في كل مرة يلتقطه فيها، ولكنه لم يكلف نفسه ان يتتبع مصب نهر تلك البرشامات الذي لم يتوقف.
واحد ثان.. لديه فلسفة خاصة في الغش، يقول: اذا أحضرت برشامة صغيرة فمن السهل اكتشافها أو الشك فيها، هذه المرة اعتمدت على الأوراق الكبيرة «ايه فور».. وزعتها بين ورقات دفتر الإجابة، وصارت تشاهد وكأنها من بين أوراق الدفتر العادية.. وهكذا نقلت ما أريد براحة تامة..
أما الثالث فقال.. تورطت في إجابة سؤال، وكنت قد نقلت درجي من مكانه الأصلي إلى قرب الشباك، وحينما مر الفراش أغريته بعشرة دراهم، فوافق ان يذهب إلى اللجنة المجاورة لنا وان يحضر من صديقي تلك الإجابة..
ذهب الفراش وجاء بالإجابة من اللجنة الثانية وأعطاها لصاحبنا.. وحينما سأل الفراش عن العشرة دراهم افهمه بالإشارة أنها ستأتيه لاحقا.. تصوروا إجابة تنتقل من لجنة إلى لجنة.. سألت صاحبنا هذا.. وأين المراقبون؟
أجابني: كانوا وقتها مجتمعين عند باب اللجنة ومنشغلين بحديث جانبي طويل ويبدو انه كان مهما!
أكثر من هذا ان الجملة الأثرية القديمة، يبدو انها ما زالت سارية المفعول في الميدان التربوي.. فأنا اذكرها على أيام زمان.. حينما كان يدخل علينا الرقيب ليقول.. اللي عنده برشامه يطلعها قبل لا أوزع الأسئلة..
وطبعا كان القليل يخرجون البرشامات، لكنه يعود في منتصف وقت الامتحان وحينما يراوده الإحساس بالأمان يقول.. يا شباب اللي عنده برشامة يطلعها ويغش منها بس بهدوء..
صاحبنا الرابع.. قال هو الآخر.. انا بصراحة جلست هادئا لا اكتب ولا أجاوب.. فجاءني الرقيب وسألني لماذا انا هكذا.. فقلت له بصريح العبارة.. أستاذ أنا بصراحة ما ذاكرت..
بتخليني أغش بجاوب ما بتخليني بيلس وفي النهاية بسلم الورقة بيضاء خالية.. تركني وذهب، تحدث مع الرقيب الثاني ثم عاد وقال لي.. غش بس بهدوء وبدون ما يحس بك حد!
الغريب ان الرقابة في لجان الامتحانات لم تتغير منذ أكثر من 40 سنة. الأساليب نفسها، العبارات هي هي، وبالطريقة ذاتها في التعامل.. ويبدو انه ارث، أو أصالة راسخة في الميدان التربوي!!
