المتابع لأحداث الفتنة والصراع المسلح في محافظة صعدة وما جاورها من مناطق محافظة عمران، وخصوصاً الغالبية العظمى من أبناء الشعب اليمني الحريصون على وحدة وطنهم وسلامة أمنه واستقراره، الطامحون إلى تطوره وتقدمه وازدهاره.

هؤلاء قد نجدهم يتململون ركام وأحداث هذه الفتنة الحوثية بصعدة ومآسيها الحربية الدامية نجد الشارع الشعبي اليمني غير قادر على تكوين صورة مكتملة الملامح يستطيع من خلالها قراءة الوضع الخاص بأحداث صعدة بكل أبعاده وحيثياته، وجاهل عن نتائجه الآنية والمستقبلية.

يبدو الوضع الذي يمر به اليمن من حروب في الشمال واحتجاجات بالجنوب ونشاط تنظيم القاعدة المصاحب لتدهور الوضع الاقتصادي كل هذا ينذر بخطورة تمزيقه ما لم يجرِ تحرك سياسي وطني شامل يحفظ اليمن من السقوط في هذه الفوضى.

يجب أن تعترف كل الأطراف بوجود أزمة من أجل أن يكون الحوار حقيقياً وصريحاً ويؤدي إلى نتائج إيجابية، والعمل على إيجاد حلول عملية ترضي وتحقق مصالح كل الأطراف.

ودون ذلك فإن مسلسل التأزيم سيستمر، حيث تواجه اليمن تركيبة متشابكة من المشكلات الخطيرة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

إن الإيمان القوي والشعور النبيل الذي يتمتع به ويحمله جموع أبناء الشعب اليمني الواقفون في صف النضال الوطني المتمسكون بثوابت الوحدة اليمنية الراسخة يجعلهم ينتظرون بشوق وغبطة بيان إعلان إنهاء الفتنة الهمجية، ويتطلعون إلى مشاهدة اقتلاع جذورها وإحراق بذور ظهورها ومسح وإغلاق أي أمل لعودة خطورتها وبشاعة وجودها مرة أخرى على تراب بلادهم.

وتبدو الولايات المتحدة الآن مترددة في دفع اليمن باتجاه تسوية سياسية للأزمة مع الحوثيين خوفاً من أن يؤدي أي ضغط إلى المزيد من عدم إقناع حليف متردد باتخاذ خطوات فعّالة ضد «القاعدة»، وهو أمر يعتبره الكثير من اليمنيين مشكلة غربية. ويقلق البعض من أن واشنطن إذا لم تعمل على دعم اليمن في ما يصفه بأنه «حربه الخاصة ضد الإرهاب»، فلن تدعم الحكومة اليمنية أيضاً الولايات المتحدة ضد خطر تنظيم «القاعدة».

الحروب الداخلية تعتبر من أسوأ الحروب لأن المحصلة النهائية لها خسارة عامة يتكبدها جميع أفراد الشعب ويدفع ثمن فاتورتها من رصيد استقراره وأمنه ومقدراته الاقتصادية والتنموية، وتكون على حساب ازدهاره ورخائه وتقدمه، فساحة المعركة الحقيقية التي تحدد النصر أو الهزيمة في مثل هكذا حروب ليست الجغرافيا فحسب وإنما الاقتصاد.

الأزمات السياسية والأمنية التي مرّت بها البلاد ولا تزال، كالنزعة الانفصالية في بعض مناطق الجنوب، والقرصنة الصومالية قبالة شواطئ اليمن، فضلاً عن تحدي الإرهاب كل هذه الأزمات وغيرها تجد لها مناخاً مواتياً للبقاء وتزداد زخماً وعنفواناً في ظل أزمة اليمن الاقتصادية طويلة الأمد.

فالسياسة والاقتصاد ولدا توأمين لا ينفصلان أبداً حسب مقولة العالم الاقتصادي الشهير جون منركينز، فلا يمكن وضع أي خطط استراتيجية للنهوض بالبلد إلا في ظل استقرار سياسي، ولن يتم ذلك دون تحقيق الاصطفاف الوطني الذي يكرس الوحدة والذي كان شأنه أن يحقق لليمن استقراراً سياسياً سيقود بدوره إلى نمو اقتصادي كامل.

فالإحصاءات الرسمية تشير إلى أن اليمن خسر ملياراً وثلاثمائة دولار جراء حرب صعدة وأكثر من سبعمائة وخمسين مليون دولار جراء الحراك في المحافظات الجنوبية والشرقية. وهذه الأرقام المخيفة بالنسبة لموازنة اليمن البسيطة والمتآكلة تصدم المواطن البسيط، فسوف يؤدي ذلك إلى حرمان المواطن اليمني من الرفاهية الاجتماعية التي هي في الأصل هدف الاقتصاد والتنمية الاقتصادية.

ولعل إحدى العقد الأساسية في الوضع اليمني هي التوافق بشأن القاعدة التي يُبنى عليها الحوار. فأحزاب (اللقاء المشترك) لا تريد أن تقدم صكاً على بياض للحزب الحاكم، وفي الجهة المقابلة فإن حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم لا يقبل أن تقوده الاستجابة لطلبات (اللقاء المشترك) إلى الدخول في سلسلة من التنازلات.

الوحدة ليست مجرد خيار بقدر ما هي ضرورة يفرضها العصر وآلياته، وتفرضها العولمة ونهمها. إننا مع وحدة اليمن ما في ذلك شك.

ولكننا قبل ذلك ندعو إلى تلافي الأسباب التي تقود بعض اليمنيين إلى الدعوة إلى ما يسمونه استقلال الجنوب وذلك عبر توفير ظروف اجتماعية واقتصادية أفضل تساعد الدولة على التصدي للانفصاليين الذين يدعون إلى العصيان المدني الشامل. فكل الأمور قابلة للتحاور والنقاش ما عدا المساس بالنظام الجمهوري والوحدة الوطنية التي لا تقبل النقاش أو المساومة.

lailabenhadna@albayan.ae